مجتمع

حين يلبس الطباشير قبعة الصحافة: أساتذة دخلوا الميدان بأقلام التلميذ المجتهد!

ضربة قلم

نحن نحترم، بل نُقَدِّر ونُنحني تقديرًا لمهمة رجل التعليم، تلك المهنة التي تحتاج أعصابًا من فولاذ وصبر أيوب في قسم يعجّ بالأصوات، وسبّورة تمسح نفسها بنفسها من شدة التعب، وطبشور يئنّ من طول الاستعمال. هي مهنة الأنبياء فعلاً، لكنها أيضًا مهنة من تُرهقهم الوزارة، وتُرهقهم الأسر، وتُرهقهم الأسعار، ثم يطلب منهم الجميع أن يبتسموا وكأنهم قادمون من ندوة في التنمية البشرية لا من حصة رياضيات في القسم السادس.

لكن… (ودائمًا هناك لكن)، أعجب- ونكاد نصفق من الدهشة – لبعض رجال التعليم الذين لم يكتفوا بحمل الطباشير والدفاتر، بل قرروا أن يحملوا معهم الميكروفون، ويدخلوا غمار الصحافة! فجأة أصبحنا نرى في الميدان الإعلامي “أستاذًا” يشرح، و”أستاذًا” يحلل، و”أستاذًا” يُدافع عن حرية التعبير كأنه يشرح درسا في النحو: “الصحافةُ فاعلٌ مرفوعٌ بالضمّة!”

ما المشكلة؟ ليست في الدخول إلى المهنة – فالصحافة بابها مفتوح لكل من يملك الجرأة على قول ما يفكر به – لكن الطامة الكبرى حين يأتي الأستاذ إلى الصحافة وهو يعتقد أن المهنة تشبه القسم: أنه هو من يسأل، وهو من يصحح، وهو من يُعطي النقط، بل وهو من يقرر من هو “التلميذ الكسول” من الصحافيين!

ولأن بعض الأساتذة يحبون النظام والانضباط، صاروا يتعاملون مع الصحافة كما لو أنها مؤسسة تعليمية عمومية: يُلقي المقال كما يُلقي الدرس، يضع عنوانًا كأنه فرض منزلي، ثم يختم بـ”في انتظار تصحيح الأخطاء الإملائية في المجتمع”. أما حين يتحدث عن “صاحبة الجلالة” الصحافة، فتراه يتحدث بوقارٍ وكأنها ناظرة المدرسة التي يجب احترامها وعدم التجرؤ على طرح الأسئلة أمامها.

العجيب أن هؤلاء حين يكتبون -ونحن لا نعمم بلغة الخشب والسبورة-، تراهم يخلطون بين البلاغة التربوية والبلاغة الصحفية. يكتبون وكأن القارئ تلميذ يجب أن يحفظ الدرس، لا مواطنًا يريد رأيًا صادقًا أو خبرًا موثوقًا. وإذا خالفهم أحد، ردّوا عليه بنفس العبارة التي تُستعمل في القسم: “اجلس مكانك وكن مؤدبًا، لم تفهم الدرس بعد!”

ثم إنهم يدافعون عن “صاحبة الجلالة” بغيرة مفرطة، حتى يخيل إليك أن الصحافة ابنتهم الشرعية، وأن باقي الصحافيين مجرد متطفلين! بعضهم صار يوزع صكوك الوطنية والمهنية: هذا صحافي حقيقي، وذاك مجرد هاوٍ لا يستحق “نقطة المراقبة المستمرة”!

والأغرب أن بعضهم يكتب مقالات دفاعية مطولة أو مدفوعة الأجر عن “العمل الإعلامي الشريف”، في حين أن لغتهم لا تزال أسيرة السبورة، ومقاصدهم أسيرة جدول الحصص. فيصححون الأخطاء اللغوية للزملاء أكثر مما يناقشون القضايا الكبرى، ويعتبرون المقال المليء بالاستشهادات كأنه “موضوع إنشائي نموذجي”.

لا أحد ينكر أن رجل التعليم قادر على أن يكون صحافيًا متميزًا، فالثقافة عنده رصيد، والتحليل عنده عادة، والصبر عنده طبع. لكن المشكلة في “العقلية الطبشورية” التي تدخل إلى الميدان وهي تظن أن الصحافة فرع من فروع وزارة التربية الوطنية. الصحافة لا تعرف “الواجب المنزلي”، ولا “الاجتهاد الفردي”، بل تعرف الميدان، والبحث، والجرأة، والاصطدام بالواقع لا بالسبورة.

ثم إن الدفاع عن صاحبة الجلالة لا يكون بالعبارات المنمقة ولا بالبلاغات المستنسخة من دفاتر النصوص، بل بالفعل الصحفي الجاد، وبالنزول إلى الميدان حيث الغبار والحرارة، لا بالبقاء في المكتب خلف شاشة الحاسوب، تُنَظِّر للصحافيين الحقيقيين كيف يجب أن يكتبوا.

في النهاية، نحن لا نلوم من يبدع في المجالين – فكم من أستاذ أصبح كاتبًا مرموقًا أو صحافيًا محترمًا – لكننا نستغرب أولئك الذين لم يُبدعوا لا هنا ولا هناك، ثم نصبوا أنفسهم “مفتشين تربويين في مهنة الصحافة”!

باختصار ساخر:
ياعزيزنا  الذي نعرفه عن كثب، الصحافة ليست “مجالًا لتقويم السلوك المهني” بل هي “ساحة اختبار” لا ينجح فيها إلا من يملك الشجاعة لا من يملك البحث عن البنزين في أكادير أو دفتر الغياب في المحمدية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.