حين ينتحر الصمت: مأساة شاب قضى نصف عمره محاصرًا بمرض نفسي في سيدي عثمان

ضربة قلم
في مساءٍ كئيب من مساءات حي سيدي عثمان بمدينة الدار البيضاء، لم يكن أحد من الجيران أو المارة يتوقع أن تنقلب الهدوء النسبي الذي يعرفه الحي إلى صدمة جماعية ستظل راسخة في ذاكرة الساكنة. ففي ليلة السبت الأخير، أقدم شاب في ريعان العمر، لم يتجاوز السادسة والثلاثين، على وضع حد لحياته بطريقة مأساوية، حين ألقى بنفسه من الطابق الثالث لمنزل أسرته، لينهي رحلة طويلة وشاقة مع المعاناة النفسية التي لازمته منذ كان في الثانية عشرة من عمره.
لم تكن القصة وليدة لحظة. فالشاب، بحسب المقربين منه، كان يعيش صراعًا داخليًا مُرهقًا منذ أزيد من عقدين، مع مرض نفسي لم يمنحه هدنة حقيقية يومًا. لم يكن عدوانيًا، ولا كان مصدر قلق للجيران، بل كان شخصًا هادئًا ومنطويًا، يحمل في داخله عالماً صاخباً لا يُرى بالعين المجردة، لكنه كان يصرخ داخله ليل نهار دون أن يسمعه أحد فعليًا. وكما يحدث في كثير من الحالات المماثلة، لم تكن الأسرة تملك سوى الصبر وبعض المحاولات البسيطة للعلاج، لكنها كانت تصطدم دائمًا بعقبات مادية أو بتقصير في المنظومة الصحية التي تظل متواضعة في التعاطي مع قضايا الصحة النفسية.
في مجتمع لا يزال ينظر إلى المرض النفسي على أنه “عار” أو “طابو” لا يُكشف، يجد المصابون أنفسهم في عزلة مزدوجة: عزلة المرض، وعزلة النظرة الاجتماعية القاسية. ومع مرور السنوات، يتحول المريض إلى عبء غير مقصود على الأسرة، وتتحول الأسرة نفسها إلى وحدة منهكة بين ألم رؤية فلذة كبدها يتآكل، وبين خجل مُبطّن من نظرة المجتمع. الشاب الذي أنهى حياته بتلك الطريقة الصادمة لم يكن ضعيفًا، بل كان قويًا بما يكفي ليقاوم لعقود، لكنه في النهاية، لم يعد يتحمل… فانكسر.
الجيران الذين سمعوا الصرخة لم يصدقوا في البداية ما حدث، هرعوا نحو مصدر الصوت، ليصطدموا بمشهد تقشعر له الأبدان: جسد ممدد على الأرض، وصرخات أسرة مذبوحة تُمزّق سكون الليل. مشهد لا يُنسى ولا يُروى بسهولة، لأن المأساة لا تكمن فقط في الموت، بل في كل ما سبق الموت من سنوات الألم والخذلان المجتمعي.
ورغم أن الجهات الأمنية والوقاية المدنية حضرت على الفور وقامت بالإجراءات المعهودة، إلا أن الأهم من كل ذلك ظل غائبًا: أين كانت الدولة قبل هذا الحادث؟ أين هي خدمات الدعم النفسي الفعّالة؟ أين هي برامج المواكبة والرعاية والإدماج الاجتماعي للمصابين بالأمراض النفسية والعقلية؟ أين هو نظام صحي لا يتعامل مع المرض النفسي على أنه ملف ثانوي أو قضية هامشية؟
لا يمكن تحميل الأسرة وحدها عبء ما حدث، فالمسؤولية تتقاطع بين التقصير المؤسساتي والتجاهل المجتمعي. فحين يُترك مريض نفسي وحيدًا في وجه دوامة الاضطرابات، دون سند فعلي أو مرافقة طبية ملائمة، فإن النهاية تكون دائمًا مأساوية. الشاب الراحل كان واحدًا من بين آلاف الحالات التي تعاني في صمت، وتنهار في صمت، وتغادر الحياة في صمت لا يقطعه إلا بكاء عابر وجنازة سريعة… ثم ننسى.
حادثة سيدي عثمان يجب ألا تمر كخبر عابر، بل كجرس إنذار يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول تعاملنا كمجتمع ودولة مع ملف الصحة النفسية. فربما لم يكن الانتحار هو النهاية المحتومة، لو توفرت الظروف الإنسانية الحقيقية للعلاج والاحتواء. وربما كان الشاب اليوم حيًا بيننا، لو أدركنا جميعًا أن من يُعاني في صمت، يحتاج أكثر من مجرد نظرة شفقة أو توصيف بارد لحالته… بل يحتاج حياة كاملة من الكرامة والدعم والحب غير المشروط.





https://shorturl.fm/x5dhX