حين ينصح اللص صديقه: “مادمت في هذا المنصب، دير علاش ترجع”

ضربة قلم
في زاوية من زوايا المدينة، حيث تتقاطع أضواء الفساد مع ظلال الجشع، جلس لصان على طاولة صغيرة في مقهى شبه مهجور. لم يكن اللقاء عادياً، ولم تكن القهوة إلا غطاءً ضعيفًا، على حديث أشد حرارة من الشمس في عز الصيف. أحدهما، المعروف بدهائه وبقدرته على قلب الحقائق رأسًا على عقب، أدار رأسه نحو صديقه وقال بابتسامة نصفها تهكم ونصفها نصيحة مبطنة:
“مادمت في هذا المنصب، دير علاش ترجع.”
العبارة كانت بسيطة، لكنها محملة بكل المعاني التي يعرفها أهل الحرفة والمهارة في عالمهم الخاص، عالم حيث الأخلاق مجرد عباءة تُلبس حسب المصلحة، والقانون مجرد حبر على ورق، لا يلزم إلا الضعفاء. لم يكن اللص ينصح فقط بالتريث، بل كان يهمس لفكرة عميقة: أن القوة الحقيقية، ليست في المنصب نفسه، بل في القدرة على البقاء فيه، على التكيف مع كل مطب، على التملص من كل لسان فضولي، وكل يد تمتد للسطو على المكاسب.
الضحكة التي تبعته كانت ساخرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا، لمن يعرف أن عالم السلطة، يشبه الأسواق السوداء: سريع الزوال، متغير، مليء بالخيانات المفاجئة والفرص المموهة. “دير علاش ترجع” تعني أكثر من مجرد البقاء؛ تعني أن تعرف كيف تتحرك بين الأهواء، كيف تصنع الصفقات خلف الأبواب المغلقة، كيف تستخدم كل ضعف كفرصة، وكل صديق أو منافس كأداة، أو كمرآة تعكس صورتك كما تريدها.
في هذه اللحظة، أصبح الكلام أكثر من مجرد نصيحة لصديق، بل درسًا في فن البقاء، في المهارة المريبة التي يتقنها من يعرف أن السلطة، حتى لو كانت مشروعة ظاهريًا، هي ساحة مفتوحة للدهاء والمكر، وأن من لم يتعلم أن يضحك مع الرياح الساخنة ويستعمل كل ورقة في يده، فسيجد نفسه عاجزًا عن التحرك، مرغماً على الانسحاب، أو أسوأ من ذلك: مطرودًا من اللعبة، قبل أن يدرك أنها بدأت أساسًا.
السخرية هنا ليست في الكلمات، بل في الواقع نفسه: فالشخص الذي يسمع النصيحة، يعرف جيدًا أنها الحقيقة الوحيدة الصافية، في بحر من التظاهر بالفضيلة والشرعية. الجميع يدّعي الشرف والضمير، لكن في السر، القاعدة واحدة وواضحة: “مصلحتي أولاً، والباقي؟ مجرد زخرفة على الورق.”
وهكذا، جلس اللصان، والليل يلف الشوارع بألوانه القاتمة، والمدينة تصدر أصواتها المعتادة، بين السيارات المارة وأبواق القوارب في الميناء البعيد، يتبادلان الدروس الساخرة، يضحكان على ما يبدو أنه وهمٌ كبير، وهما يعرفان أنه أعمق درس يمكن أن يُعطى لأي إنسان، يبحث عن البقاء، عن المنصب، عن القوة، في عالم لا يعرف الرحمة، إلا لمن يعرف كيف يضحك مع الرياح ويختبئ خلف الظلال، مثل لص ماهر في صمت الليل.




