حين ينفد الصبر ويتحول الاحتقان إلى غضب مهني في صفوف المتصرفين التربويين !

ضربة قلم
ليست الوثيقتان مجرد منشورين نقابيين عاديين، يعلنان عن وقفة أو اعتصام وينتهيان عند حدود البلاغات التي تُقرأ صباحاً وتُنسى مساءً. إنهما، في الحقيقة، رسالتان واضحتان بأن صبر المتصرفين التربويين بدأ ينفد، وأن مرحلة الانتظار الطويل لم تعد مقبولة.
فمن طنجة أصيلة يوم 28 غشت 2026 إلى بيان التنسيق النقابي الخماسي بالرباط يوم 30 غشت 2026، يبدو أن لغة الاحتجاج ترتفع درجة بعد أخرى، وأن ما كان مجرد مطالب معلقة فوق طاولات الحوار بدأ يتحول إلى برنامج نضالي ميداني منظم.
حين تقول النقابات: كفى!
البيان الخماسي لا يتحدث بلغة المواربة. إنه يضع الأصبع مباشرة على الجرح: مماطلة في تنفيذ الاتفاقات، تعطيل للحوار، ملفات مطلبية عالقة، تعويضات لم تصرف، تأخر في المستحقات، وأكاديميات ومديريات لا تلتزم، بحسب مضمون البيان، بما يفترض أنها التزمت به.
والمطالب ليست غامضة حتى يقال إن أصحابها يطالبون بالمستحيل.
هناك حديث عن:
- التعويض عن الإطار؛
- تخفيض ساعات العمل؛
- فتح آفاق الترقي؛
- تنفيذ الأحكام القضائية؛
- صرف التعويض عن الأعباء الإضافية؛
- عدم خلط تعويض التنقل بتعويضات أخرى؛
- صرف تعويضات الامتحانات؛
- وتسوية الملفات العالقة.
بمعنى آخر: المتصرف التربوي يقول إن ما يطالب به ليس صدقة، ولا منحة موسمية، ولا امتيازاً يمنحه مسؤول متى شاء ويمنعه متى شاء، بل حقوقاً واتفاقات والتزامات يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وهنا تبدأ القراءة الثورية الحقيقية للمنشور.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي قطاع ليس أن يحتج الناس، بل أن يصلوا إلى قناعة بأن الحوار وحده لم يعد يكفي.
من الكلام إلى الميدان
اللافت في بيان 30 غشت أن التنسيق الخماسي لم يكتف بالتذكير بالمطالب، بل انتقل إلى رسم خطوات عملية.
اعتصام إنذاري بمقرات المديريات الإقليمية، ومقاطعة اجتماعات ولقاءات الدخول المدرسي، والاستمرار في بعض أشكال المقاطعة المرتبطة بالتدبير، ثم استكمال هيكلة التنسيق جهوياً وإقليمياً، استعداداً لما قد يأتي بعد اجتماع 4 شتنبر.
وهنا ينبغي التوقف.
عندما تبدأ النقابات في استكمال هيكلة التنسيق، فهي لا تستعد لإلقاء خطاب عابر. إنها تبني جسماً قادراً على التحرك.
وعندما يكون الاعتصام مقرراً يوم توقيع محاضر الدخول وقبل مباشرة التوقيع، فالرسالة الرمزية تصبح أقوى من أي خطاب:
لن ندخل موسماً جديداً وكأن شيئاً لم يكن.
إنها رسالة تقول، باختصار شديد: الدخول المدرسي ليس مجرد تاريخ إداري، بل يمكن أن يصبح أيضاً موعداً للمحاسبة ورفع الصوت.
طنجة أصيلة… الترجمة الميدانية للغضب
ثم تأتي وثيقة التنسيق المحلي الرباعي بمديرية طنجة أصيلة لتؤكد أن المسألة لا تبقى حبيسة البيانات المركزية.
هناك دعوة إلى اعتصام محلي يوم توقيع محاضر الدخول، فاتح شتنبر 2026، ابتداء من الساعة العاشرة صباحاً، مع دعوة المتصرفات والمتصرفين التربويين إلى المشاركة المكثفة.
وهذا مهم جداً.
فالقوة الحقيقية لأي حركة مطلبية لا تُقاس بعدد الشعارات التي تكتب في البلاغات، وإنما بقدرتها على النزول من الورق إلى الأرض، ومن المقر المركزي إلى الجهات، ومن الجهة إلى الأقاليم والمديريات.
طنجة هنا ليست مجرد مدينة في البيان.
طنجة تقول: المركز لن يناضل وحده.
وتقول أيضاً إن الملفات التي يتحدث عنها الجميع ــ الاتفاقات، التعويضات، الأعباء الإضافية، التنقل، الامتحانات، الملفات العالقة والحوار ــ ليست مشاكل نظرية في الرباط، بل هي معاناة يومية يعيشها المعنيون في الميدان.
وحدة الصف… أخطر ما في المنشورين
قد تختلف الصيغ التنظيمية بين تنسيق خماسي على المستوى الوطني وتنسيق رباعي على المستوى المحلي، لكن الرسالة السياسية والنقابية واحدة: توحيد الصفوف بدل تفتيت المطالب.
وهذا هو العنصر الذي يمنح المنشورين ثقلهما.
لأن الإدارة تستطيع أن تراهن على طول الوقت عندما يكون كل فصيل وحده، وكل فئة تتفاوض بمفردها، وكل غضب يصرخ في زاوية.
أما حين تتقاطع التنظيمات حول ملف واحد ومطالب محددة وخطوات نضالية مشتركة، فإن المعادلة تتغير.
فالحق عندما يطالب به فرد قد يُؤجل.
وعندما تطالب به فئة قد يُحال إلى لجنة.
لكن عندما يتحول إلى صوت جماعي منظم، فإن تجاهله يصبح أكثر كلفة.
الرسالة إلى الوزارة واضحة: لا تجعلوا الصبر وقوداً للاحتقان
المنشوران، في العمق، ليسا إعلان حرب على المدرسة العمومية، كما قد يحاول البعض تصوير أي شكل من أشكال الاحتجاج. بل هما احتجاج من داخل منظومة يفترض أن أصحابها جزء من أعمدتها.
والمتصرف التربوي لا يطالب بإسقاط مدرسة، بل يطالب، وفق ما ورد في المنشورين، بإنصافه داخلها.
ولا يمكن أن تطلب من موظف أن يدبر ويخطط ويتحمل المسؤولية ويواكب الدخول المدرسي، ثم تقول له في الوقت نفسه:
انتظر تعويضك… انتظر تنفيذ الاتفاق… انتظر الحوار… انتظر التسوية… وانتظر، ثم انتظر، وبعدها سنرى!
فحتى الصبر، له سقف.
وحتى الانتظار، له تاريخ انتهاء.
والأخطر من كل ذلك أن يتحول التماطل إلى أسلوب في التدبير، لأن الإدارة التي تؤجل تنفيذ ما اتفقت عليه اليوم، لا ينبغي أن تتفاجأ غداً عندما تجد أمامها موظفين يقولون: لقد انتهى زمن الوعود، نريد التنفيذ.
فاتح شتنبر ثم 4 شتنبر… المواعيد تتكلم
هناك تسلسل واضح في المنشورين:
28 غشت: دعوة محلية إلى التعبئة بطنجة أصيلة.
30 غشت: بيان وطني يرسم إطاراً نضالياً أوسع.
فاتح شتنبر: موعد الاعتصام ورفع الصوت مع بداية الموسم.
4 شتنبر: اجتماع التنسيق، وما قد يترتب عنه من إعلان برنامج نضالي جديد.
وهذا يعني أن الكرة لم تعد في ملعب المتصرفين التربويين وحدهم.
فهم أعلنوا مطالبهم.
حددوا ما يعتبرونه اختلالات.
أعلنوا خطواتهم.
ونظموا صفوفهم.
والآن يبقى السؤال: هل ستتحرك الجهات المعنية لمعالجة أسباب الاحتقان، أم ستنتظر حتى يتوسع الاحتجاج ثم تبدأ في البحث عن أسباب اندلاعه؟
الخلاصة: ما لا يأتي بالنضال…
أقوى ما في المنشور الأول ليس فقط قائمة المطالب، بل تلك العبارة التي تختصر فلسفة مرحلة كاملة:
«وما لا يأتي بالنضال يأتي بمزيد من النضال».
إنها ليست دعوة إلى الفوضى، بل إعلان عن نفاد الصبر ورفض الاستسلام.
ومن يقرأ المنشورين جيداً يدرك أن المتصرفين التربويين، عبر تنسيقياتهم النقابية، يقولون إنهم لم يعودوا يريدون أن يكونوا مجرد أسماء في لوائح الانتظار، أو ملفات مؤجلة من اجتماع إلى اجتماع، ومن موسم دراسي إلى موسم آخر.
من الرباط إلى طنجة، الرسالة بدأت تتوحد: نفذوا الاتفاقات، صرفوا المستحقات، أنصفوا المتضررين، وافتحوا حواراً حقيقياً قبل أن يتحول الاعتصام الإنذاري إلى بداية مسلسل نضالي أطول.
لأن الحقوق التي تبقى حبيسة الأدراج طويلاً، لا تختفي…
إنها تخرج يوماً إلى الشارع، وترفع صوتها، وتقول: كفى انتظاراً!




