الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين ينهار من يحرس الناس… محاولة انتحار رجل أمن تعيد النقاش حول الضغوط الصامتة داخل الحياة الأمنية

ضربة قلم

في كل مرة تقع فيها حادثة من هذا النوع داخل صفوف رجال الأمن، يعود السؤال الثقيل ليطرق أبواب المجتمع بقوة: من يحرس الحارس نفسه؟ ومن يواسي رجل الأمن، حين ينهار بصمت بعيدًا عن الأضواء والزي الرسمي والانضباط الصارم؟

فبعد تسجيل حالات متفرقة خلال السنوات الأخيرة، أعادت محاولة حارس أمن بمدينة الرباط، وضع حد لحياته باستعمال سلاحه الوظيفي، النقاش مجددًا حول الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها عدد من رجال الأمن، أولئك الذين يظهرون أمام الناس بوجوه صارمة وقوية، بينما يخفون في الداخل أوجاعًا قد لا يراها أحد.

وقد فتحت ولاية أمن الرباط، بحثًا قضائيًا تحت إشراف النيابة العامة المختصة، من أجل تحديد ظروف وملابسات هذه الواقعة المؤلمة، التي شهدت إصابة موظف الشرطة بجروح خطيرة على مستوى العنق، بعدما حاول الانتحار داخل مسكن عائلته، باستعمال سلاحه الوظيفي، قبل أن يتم نقله على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي الإسعافات والعلاجات الضرورية.

كما باشرت عناصر الشرطة القضائية، وتقنيو مسرح الجريمة، مختلف الخبرات والمعاينات الباليستية والتقنية، في محاولة لفهم خيوط هذا الحادث الذي خلف صدمة وحزنًا داخل محيطه المهني والإنساني، خاصة وأن المعطيات الأولية ترجح وجود مشاكل أسرية وضغوط اجتماعية، قد تكون وراء هذا الانفجار النفسي الخطير.

لكن بعيدا عن تفاصيل التحقيق، فإن الحادث يفتح الباب على واقع حساس قلما يتم الحديث عنه بجرأة وهدوء؛ فالكثيرون ينظرون إلى رجل الأمن باعتباره شخصًا “صلبًا” بحكم طبيعة عمله، ناسِين أنه في النهاية إنسان من لحم ودم، له مشاكله العائلية، وهمومه اليومية، والتزاماته الثقيلة، وأحيانا جراحه النفسية التي تتراكم بصمت.

وربما ما يزيد الوضع تعقيدًا، أن رجل الأمن يعيش غالبًا بين عالمين متناقضين؛ عالم المهنة الذي يفرض الصرامة والانضباط والجاهزية الدائمة، وعالم الحياة الشخصية الذي قد يكون مليئًا بالتوترات والضغوط والمسؤوليات. وحين تتراكم هذه الأعباء، دون متنفس حقيقي، قد يصل البعض إلى لحظات انهيار مؤلمة.

فالمواطن العادي، حين يمر بأزمة نفسية، يستطيع أن ينعزل قليلا أو يصرخ أو يشتكي أو حتى ينهار أمام الناس، بينما رجل الأمن غالبًا ما يشعر بأنه مطالب دائمًا بإظهار القوة والثبات، وكأن التعب النفسي ممنوع عليه، بحكم البذلة التي يرتديها.

وفي كثير من الأحيان، يتحول الصمت إلى عدو خطير. فهناك من يخفي معاناته خوفًا من نظرة المجتمع أو من التأثير على مساره المهني، وهناك من يعتقد أن مجرد الاعتراف بالتعب النفسي نوع من الضعف، إلى أن تأتي لحظة الانفجار التي قد تكون مأساوية.

ولا يمكن إنكار أن طبيعة العمل الأمني في حد ذاتها مرهقة؛ مناوبات طويلة، ضغط مستمر، احتكاك يومي بمشاكل الناس، مواجهة الجريمة والعنف والحوادث، السهر، التوتر، واستنزاف نفسي، قد لا يظهر على الملامح، لكنه يترك أثره العميق في الداخل.

ثم تأتي المشاكل الأسرية والاجتماعية، لتزيد الصورة تعقيدًا. فحين يعود رجل الأمن إلى بيته محملا بضغوط المهنة، ويجد نفسه أمام خلافات عائلية أو أزمات مادية أو توتر نفسي، يصبح الحمل أثقل بكثير مما يتصوره البعض.

المؤلم في مثل هذه الوقائع، أن المجتمع غالبًا لا ينتبه إلى معاناة رجال الأمن إلا عندما تقع الفاجعة أو تقترب منها. حينها فقط يبدأ الحديث عن الدعم النفسي والمواكبة الاجتماعية وظروف العمل وضغط الحياة. أما قبل ذلك، فيبقى الكثير من رجال الأمن يواجهون صراعاتهم الداخلية بصمت قاتل.

والحقيقة أن الاهتمام بالصحة النفسية، لم يعد ترفًا، بل ضرورة حقيقية، ليس فقط داخل المؤسسة الأمنية، بل في المجتمع كله. لأن الإنسان حين يصل إلى مرحلة يفكر فيها في إنهاء حياته، فذلك يعني غالبًا، أنه كان يصرخ داخليًا منذ مدة طويلة دون أن يسمعه أحد.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن بعض الناس ما زالوا يتعاملون مع الأزمات النفسية بسخرية أو استخفاف، وكأن الاكتئاب أو الانهيار النفسي مجرد “دلع” أو ضعف شخصية، بينما الواقع يؤكد أن الضغوط، حين تتراكم قد تُسقط حتى أكثر الناس قوة وصلابة.

إن رجل الأمن، مهما بدا قويًا، يظل إنسانًا يحتاج بدوره إلى الاحتواء والكلمة الطيبة والدعم النفسي والإنصات الحقيقي. فليس كل من يحمل سلاحًا قادرًا دائمًا على مواجهة جراحه الداخلية وحده.

ويبقى الأمل اليوم في أن تتحول مثل هذه الحوادث المؤلمة إلى ناقوس تنبيه حقيقي، يدفع نحو تعزيز المواكبة النفسية والاجتماعية داخل مختلف المؤسسات، لأن حماية الإنسان، لا تكون فقط بتوفير وسائل العمل، بل أيضًا بحماية توازنه النفسي وكرامته الإنسانية.

فخلف كل زي رسمي… قلب قد يتعب بصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.