
م-ص
كثيرون يستهجنون هذا النزوع إلى التفاؤل في زمنٍ صار فيه الأمل عملةً نادرة، زمنٍ تنطفئ فيه العيون قبل أن تُكمل الحلم، ويضيق فيه القلب بالخذلان أكثر مما يتسع للحب. لكن اعذروني، فما باليد حيلة؛ كلٌّ مسيّرٌ لما خُلق له. فمن وُلد بوجدانٍ يرى في الشوك ورودًا، لن يستطيع أن يحوّل بصره إلى عتمةٍ مطلقة، ومن جبل قلبه على البحث عن النور، لن يُقنعه العالم بغير ذلك، ولو تجمعت كل غيوم الأرض.
انظروا إلى الأمواج: ترتطم ثم تنحسر، تصرخ ثم تهدأ، ترفع الزبد عاليًا ثم تبتلعه ثانية. أليست هي نسخة مكبّرة عن حياتنا؟ كلّ لحظة غضب، كلّ انكسار، كلّ دمعة؛ لا تعدو كونها موجةً في بحر، لا تُبطِل حقيقة أن البحر باقٍ، وأن التيارات لا تدوم. فالمراكب التي تتماسك بدفتها، هي التي تصل إلى الشاطئ، مهما طال انتظارها.
نعم، نحن نعيش وسط عالمٍ مزدحم بالمكر والرياء، حيث تُباع المبادئ بأبخس الأثمان، وتُشترى المواقف بأرخص العملات. صداقةٌ تنهار عند أول منعطف، محبةٌ تتوارى خلف قناع الطمع، ووعودٌ تُرمى في الهواء كأوراق خريفٍ ذابلة. لكن، وسط هذا الخراب، تظلّ هناك ومضة صغيرة، ربما في كلمةٍ صادقة، ربما في يدٍ تُمدّ في وقتٍ عسير، أو في ابتسامةٍ تُزرع في قلبٍ أنهكه التعب. هذه الومضات هي التي تُبقي الإنسان قائمًا، كما يُبقي خيط الشمس البحر حيًا رغم كل العواصف.
إنّ التفاؤل هنا ليس مجرد نظرة رومانسية للحياة، بل هو فعل مقاومة، أشبه بتمردٍ صامت على قوانين واقعٍ يحاول أن يقنعنا أنّ كل شيء مظلم. هو إصرارٌ على أن نؤمن بالدورة الأبدية: ليلٌ يليه نهار، عاصفةٌ يعقبها سكون، دمعةٌ يعقبها ضحك. ولولا هذا القانون الأزلي، لكان البحر قد تجمّد، ولما قامت حياةٌ أصلًا.
التاريخ البشري كلّه شاهد على هذه الحقيقة: أممٌ انهارت ثم نهضت، شعوبٌ تعثرت ثم انتفضت، وأفرادٌ عبروا وديان الألم ليصلوا إلى قممٍ من نور. فما نحن إلا تكرار لهذه الدورة ذاتها، نصارع الأمواج وننهض، نُخذَل ونقاوم، نُكسر ثم نلملم أنفسنا من جديد.
إذن، ما التفاؤل إلا اعترافٌ ضمني بأن الشمس ستشرق، وأنّ البحر مهما علا زبده، فهو إلى هدوءٍ صائر. وما التشاؤم إلا انكسارٌ أمام معركةٍ لم تُحسَم بعد. وأنا، مهما بدا كلامي نشازًا في زمنٍ صارت فيه القلوب معلّقةً بالحزن، أُصرّ أن أبقى على إيماني: أن في قلب الليل ولادةً للفجر، وأن في قلب البحر المائج يكمن وعدٌ بالسكينة.م قطرة ضوء.





https://shorturl.fm/dKXYY