الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

حين يوحّدنا المنتخب… وتفرّقنا كل الملفات الأخرى

ضربة قلم

ثمة حقيقة يصعب إنكارها في المغرب: لا يكاد المغاربة يجتمعون على قضية، كما يجتمعون على المنتخب الوطني. فبمجرد أن يخوض “أسود الأطلس” مباراة، تختفي مؤقتًا ألوان الانتماءات السياسية، وتذوب الخلافات الإيديولوجية، وتخفت أصوات الصراعات اليومية. يصبح العلم المغربي هو الراية الوحيدة، والنشيد الوطني هو اللغة المشتركة، والفوز حلمًا جماعيًا، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين معارض وموالٍ.

إنها لحظة نادرة من الإجماع الوطني.

لكن، ما إن يطلق الحكم صافرة النهاية، حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. يعود “الطبالة” إلى الدفاع عن هذا الحزب أو ذاك، وكأن الأحزاب أندية كروية، لا مشاريع سياسية. ويعود آخرون إلى الانقسام حول الوجوه نفسها، وحول ضحكة ماكرة يعرفها الصغير قبل الكبير، أصبحت بالنسبة إلى كثيرين رمزًا لسياسة لا تثير الثقة بقدر ما تثير السخرية والأسئلة.

وفي المقابل، يجتمع قطاع واسع من المغاربة على أمر آخر، لا يحتاج إلى استطلاعات رأي لإثباته: القلق من غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. فالأسر المغربية، أصبحت تعيش تحت ضغط متزايد، بين أسعار لا تتوقف عن الارتفاع، وأجور لا تواكب كلفة الحياة، وخدمات عمومية، ينتظر المواطن أن تكون في مستوى ما يؤديه من ضرائب.

ويزداد هذا الشعور عندما يرى المواطن عمليات هدم أو إعادة تهيئة في بعض المناطق، بينما يطالب المتضررون بضمانات أوضح، وتعويضات عادلة، وحلول تحفظ كرامتهم وتراعي أوضاعهم الاجتماعية. فالتنمية لا تُقاس بعدد الجرافات، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، وإقناعهم بأنهم شركاء فيها لا ضحايا لها.

كما يثير تدبير بعض الأصول والعقارات العمومية نقاشًا واسعًا، خاصة عندما تنتقل ملكية أو تدبير بعض الممتلكات إلى مؤسسات عمومية استثمارية، وهو نقاش مشروع في أي ديمقراطية، لأن المال العام، ليس شأنًا إداريًا فحسب، بل قضية تهم جميع المواطنين الذين من حقهم معرفة أهداف هذه العمليات وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.

أما داخل المؤسسة التشريعية، فإن جزءًا من الرأي العام ينتقد أداء عدد من البرلمانيين، معتبرًا أن تضارب المصالح أو الارتباط بعالم المال والأعمال، قد يؤثر في قدرتهم على ممارسة دورهم الرقابي والدفاع عن مصالح المواطنين. وفي المقابل، يرى آخرون أن التعميم لا يكون منصفًا، وأن تقييم البرلمانيين ينبغي أن يكون على أساس أدائهم الفردي والتزامهم بمسؤولياتهم.

وفي الوقت الذي كانت فيه أنظار ملايين المغاربة مشدودة إلى منافسات كأس العالم، واستحوذت كرة القدم على النقاش العام، استمرت الحكومة في تدبير ملفات اقتصادية ومالية ثقيلة، من بينها اللجوء إلى مزيد من الاقتراض. ويرى منتقدون أن الزخم الكروي ساهم، ولو مؤقتًا، في تراجع الاهتمام الشعبي والإعلامي بهذه القرارات، بينما كانت المديونية العمومية تواصل الارتفاع، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول توقيت هذه السياسات وكيفية التواصل بشأنها.

ويذهب عدد من الاقتصاديين والفاعلين المدنيين، إلى أن مكافحة تهريب الأموال واسترجاع الأصول المنهوبة، إذا تمت بفعالية وفي إطار القانون والتعاون الدولي، يمكن أن توفر موارد مالية مهمة للدولة…

ويبقى المنتخب الوطني الاستثناء الوحيد الذي ينجح في صناعة شعور جماعي نادر. ففي كرة القدم، ينسى المغاربة خلافاتهم لساعات، ويتحدثون بلغة واحدة، ويحتفلون بانتصار واحد، ويحزنون لهزيمة واحدة. وربما لهذا السبب، يرى بعض المراقبين أن الأحداث الرياضية الكبرى، تمنح الناس متنفسًا نفسيًا مهمًا، بينما يعتبر آخرون، أنها قد تطغى مؤقتًا على الاهتمام بالنقاشات السياسية والاقتصادية. لكن الربط بين الأمرين يبقى موضوعًا للنقاش، ولا يجوز اعتباره حقيقة ثابتة دون أدلة.

غير أن المباريات تنتهي، بينما تستمر الأسئلة اليومية: كيف تُخلق فرص الشغل؟ كيف تُحمى القدرة الشرائية؟ كيف تُحسَّن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي؟ وكيف يشعر المواطن بأن صوته حاضر في القرارات التي تمس حياته؟

قد توحدنا كرة القدم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني اقتصادًا، أو تصلح تعليمًا، أو تعالج مريضًا، أو توفر سكنًا لأسرة مهددة بفقدان منزلها. إنها تمنح الفرح، لكنها لا تعفي أحدًا من مسؤولية معالجة الملفات التي تؤثر في حياة الناس كل يوم.

ويبقى أجمل ما في المنتخب المغربي، أنه يذكّرنا بأن هذا الشعب، رغم كل اختلافاته، قادر على الالتفاف حول هدف واحد عندما يجد ما يستحق الالتفاف حوله. ولعل التحدي الأكبر هو أن يصبح هذا الإحساس بالوحدة حاضرًا أيضًا في القضايا التي تمس معيش المغاربة ومستقبلهم، لا في تسعين دقيقة فقط.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.