الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يولد الإبداع من بين الركام: صرخة العصاميين

م- ص

العصاميون في هذا البلد ليسوا قلة. يكفي أن نستحضر بعض الأسماء التي خرجت من الظل، لم تسندها جريدة حزبية، ولا ملحق ثقافي تحتكره أسماء محفوظة في الخزانة الحزبية، بل صنعت طريقها بكدح يومي. هؤلاء لم يجدوا منصات جاهزة، ولا مهرجانات تتسابق لاحتضانهم. غالبًا ما قوبلوا بالتجاهل، وربما بالسرقة، كما حدث مع قصيدة زجلية بريئة، حلم صاحبها أن يراها مطبوعة أو مسموعة باسمه، فإذا بها تُنسب لقرصان وضع توقيعه عليها ككاتب كلمات أغنية سارت بذكرها الركبان. لحظة صادمة تكشف كيف يُختطف الإبداع من بين يدي أصحابه، ويُحوَّل إلى سلعة رخيصة في سوق الانتهازية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض التجارب الحزبية عرفت كفاءات حقيقية، صحافيين وصحافيات ناضلوا بصدق في جرائد حزبية، وتركوا بصمات لا تُمحى. بل هناك من حصل على شهادات عليا، بلا ولاءات ولا “حزارة”، فأثبتوا أن الطموح والمعرفة أقوى من أي انتماء ضيق.

وهنا لا بد أن نستحضر الأستاذ قيلش –جزاه الله خيراً– الذي يقبع حالياً في السجن بتهمة تورطه في المتاجرة في الماسترات، دون أن يعني ذلك تعميم التهمة على كل الأساتذة، كأن قدر التعليم العالي عندنا أن يتحول إلى ملهاة، حيث الأستاذ بائع، والطالب أو غيره زبون، والشهادة سلعة، أما الحقيقة فغريبة منفية عند بوابة الكلية. ونقول إن مصيبته لم تُغرقه وحده، بل عرّت أكثر الجامعة المغربية، وكشفت عورتها حتى أمام من كان يظنها “قلعة للعلم”.

المفارقة أن المعاناة، التي تبدو لعنة، هي في حقيقتها رحم يولد منه الإبداع. كم من شاعر أبدع لأنه ذاق الجوع والخذلان! كم من فنان نقش لوحاته على جدران، لأنه لم يجد قماشًا أو ألوانًا! كم من موسيقي صنع لحناً خالداً من وتر مكسور لأنه لم يجد آلة كاملة! العصامية ليست أن تُمنح كل شيء، بل أن تُخلق من اللاشيء، أن تبني سلماً من الحجارة التي رُميت بها.

والأجمل في العصامية أنها تعطي الإنسان نَفَسًا مختلفًا. هو لا يكتب ليُصفّق له الجمهور، ولا ليحصل على وسام من وزارة. هو يكتب لأنه لا يملك إلا الكتابة ليحيا، يرسم لأنه لو لم يرسم لانفجر، يغني لأنه لو سكت لاختنق. وهنا تكمن عظمة الإبداع العصامي: إنه لا يبحث عن السوق ولا عن الجوائز، بل عن خلاص الروح.

إن الحديث عن العصامية والموهبة التي تُصهر في نار المعاناة، هو دعوة للتأمل في واقعنا: كم من طاقات دفناها بالتهميش والإقصاء؟ كم من أسماء لم نسمع بها قط لأنها لم تكن في “اللوبي الثقافي” الصحيح، أو لم تضع ولاءها في الجيب المناسب؟ في المقابل، كم من “أسماء لامعة” ليست سوى فقاعات منفوخة، صُنعت في مكاتب ضيقة وفرضت على الملحقات الثقافية والمهرجانات، حتى صارت جزءًا من المشهد رغم خوائها؟

العصامي لا يحتاج لشهادة كي يُثبت ذاته. يكفيه أثره. يكفيه أن تُتلى قصيدته بعد عقود في الأزقة والمقاهي، بينما تُنسى مقالات الطبالين بعد أسبوع. يكفيه أن تُشعل لوحته العيون رغم أنه رسمها على خشب قديم، بينما تُركن “اللوحات الرسمية” في أرشيف بارد. العصامية هي القدرة على تحويل الجراح إلى ورود، والهزيمة إلى قصيدة، والفقر إلى لحن خالد.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سنظل نُعلي من شأن الشهادات الفارغة، ونتجاهل الكفاءات التي صنعت نفسها بنفسها؟ متى سنمنح للمواهب العصامية حقها؟ متى نفهم أن الإرادة قد تصنع معجزات لا تستطيعها ألف شهادة؟

لأن العصامية في النهاية ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل صرخة جماعية تقول: يمكن للإنسان أن يُهزم مرات ومرات، لكنه يظل قادراً على النهوض، والإبداع، والخلود، ولو وسط ركام الخيانة والخذلان.

ولكل العصاميين الذين يحلمون في صمت، لكل من كتب بكلمة واحدة أو رسم بضربة فرشاة أو عزف على وتر مكسور: لا تتوقفوا. استمروا في صناعة عوالمكم الخاصة، لأنكم أنتم الشهود الحقيقيون على قوة الإرادة. العالم قد يغفل عنكم، لكن التاريخ لا ينسى من صنع بصمته بنفسه. اجعلوا كل سقوط نقطة انطلاق، وكل خيبة وقودًا للانطلاق، فالإبداع الحقيقي يولد من رحم الصعاب، وقلوبكم هي التي تصنع المعجزات.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.