الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يُحتسب التعويض على الورق فقط: الأجر الغائب في معادلة إنصاف ضحايا حوادث السير

ضربة قلم

هل فكرت يومًا أن أجرك، الذي قد لا يُوثق بوثيقة رسمية أو لا يُعترف به بشكل كافٍ، قد يُختزل في أرقام رمزية لا تعكس حجم معاناتك حين تتعرض لحادثة سير؟
هكذا هو حال الكثير من المغاربة، حين يجدون أنفسهم أو ذويهم ضحايا لحوادث مميتة أو مسببة لعاهات، فيُفاجؤون بأن التعويض الذي ينتظرونه لا يُقاس بحجم الضرر، بل بما تيسر إثباته من دخل، ولو كان بعيدًا عن الحقيقة.

في ظل ظهير 2 أكتوبر 1984، الذي يفترض أنه جاء لإنصاف المتضررين، تبرز إشكالية حقيقية ومزمنة: كيف نُحدد الأجر المعتمد في حساب التعويض؟
هذا السؤال ليس بسيطًا كما يبدو. إنه يمس عمق العدالة الاجتماعية، ويكشف عن هشاشة النظام التعويضي في مواجهة واقع اقتصادي غير مهيكل، تغيب فيه الوثائق، وتطغى فيه العلاقات الشفوية والموسمية والهشة.

فالقاضي حين يجد نفسه أمام ملف دون عقود، أو بأجر غير مصرح به، يضطر إلى الاجتهاد، وغالبًا ما يلجأ إلى الحد الأدنى للأجور، أو تقديرات الخبراء، أو حتى شهادة الشهود. والنتيجة؟ تعويض لا يعكس حجم الضرر ولا يحترم كرامة الضحية.

هذا الموضوع ليس قانونيًا صرفًا، بل هو مرآة لسوق شغل معطوب، ولنظام حماية اجتماعية ينتقي من يعترف بهم ويُقصي من لا يملكون أوراقًا رسمية. فكيف يمكن تدارك هذا الخلل؟ وهل آن الأوان لمراجعة ظهير 1984 بما يتماشى مع واقع مغرب اليوم؟

أولاً: خلفية الإشكالية

ينص ظهير 2 أكتوبر 1984 على مبدأ التعويض التلقائي لفائدة ضحايا حوادث السير أو ذوي حقوقهم، مع الأخذ بعين الاعتبار المعايير التالية:

  • نسبة العجز أو الوفاة.
  • سن الضحية.
  • أجره أو دخله الشهري.

إلا أن التطبيق العملي لهذا الظهير يطرح صعوبات حقيقية حينما يتعلق الأمر بتحديد الأجر، خاصة في حالات:

  • عدم وجود وثائق رسمية تثبت الأجر (العمل غير المهيكل).
  • الاختلاف بين الدخل المصرح به والدخل الحقيقي.
  • تعدد مصادر الدخل.
  • اشتغال الضحية في قطاع غير منظم.

ثانياً: ثقل المسؤولية القضائية في التقدير

يجد القاضي نفسه أمام ضرورة تقدير أجر تقريبي في غياب وثائق قاطعة، وهو ما يضعه بين مطرقة تحقيق العدالة وسندان النص الجامد. في هذا السياق، قد يستند القاضي إلى:

  • شهادة الشهود.
  • الخبرات المنجزة.
  • الحد الأدنى للأجور.
  • القرائن المتوفرة (كعدد أفراد الأسرة، نمط العيش، مهنة الضحية…).

غير أن هذا التقدير، وإن كان يسعى للإنصاف، فإنه يظل عرضة للطعن بسبب طابعه الذاتي أو التقديري.

ثالثاً: غياب التناغم بين التشريع والواقع

إن الإشكال الأعمق يتمثل في أن ظهير 1984 لم يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات سوق الشغل المغربي وتنوع أوضاع الشغل، خصوصًا مع انتشار الشغل غير المهيكل. فالعديد من المواطنين لا يتوفرون على عقود عمل أو وثائق رسمية، ومع ذلك يعيلون أسرًا ويحققون مداخيل قارة، مما يجعل غياب الاعتراف القانوني بهذه المداخيل ظلمًا مزدوجًا في حالة الوفاة أو العجز.

رابعاً: الحاجة إلى اجتهاد تشريعي أو قضائي

أمام هذه الثغرات، يبرز مطلبان رئيسيان:

  1. إصلاح تشريعي: ينبغي تحيين ظهير 1984 بما يتلاءم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الحالي، خصوصًا في باب اعتماد معايير مرنة لتحديد الأجر.
  2. توحيد الاجتهاد القضائي: من المهم إصدار توجهات قضائية موحدة لتفادي التفاوتات بين المحاكم في اعتماد الأجر التقديري.

خامساً: الأجر الرمزي كحل مؤقت

في حالات كثيرة، تعتمد المحاكم ما يسمى بـ”الأجر الرمزي” الذي يكون في حدود الحد الأدنى للأجور أو دونه، كتسوية بين غياب الإثبات ورغبة في عدم حرمان الضحية كليًا من التعويض. لكن هذا الحل، وإن كان عمليًا، يظل قاصرًا عن جبر الضرر الحقيقي.

خاتمة

إشكالية تحديد الأجر المعتمد في تعويضات حوادث السير ليست مجرد مسألة تقنية أو حسابية، بل هي مرآة لاختلالات أعمق في سوق الشغل المغربي وفي منظومة الحماية الاجتماعية. ما لم يتم تجاوز هذا الإشكال تشريعيًا وقضائيًا، سيبقى المتضررون، خاصة الفئات الهشة، يدفعون ثمن غموض النصوص وتفاوت التأويلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.