مجتمعدفاتر قضائية

حين يُسرق الخبز من فم الفقير: فضيحة الدقيق المدعّم تهزّ فاس وتكشف شبكة وطنية للتلاعب بالدعم العمومي

ضربة قلم

بعد أن تفجّرت قضية التلاعب بالدقيق المدعّم في مجلس النواب، والتي هزّت الرأي العام الوطني لما تحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية خطيرة، لم تتأخر النيابة العامة في إصدار تعليمات صارمة بفتح تحقيق شامل في الموضوع، نظرًا لحساسية هذا الملف الذي يلامس قوت المواطن البسيط مباشرة. فالقضية لا تتعلق بمجرد تلاعب إداري أو مخالفة بسيطة، بل بشبكة معقدة من المصالح المتشابكة التي نسجت خيوطها حول “القمح المدعّم”، ذاك الذي يُفترض أن يصل إلى الفئات الهشة، فإذا به يتحوّل إلى سلعة مضاربة في الأسواق الموازية.

وفي مدينة فاس تحديدًا، تتواصل التحقيقات التي باشرتها المصالح الأمنية بتنسيق مع الشرطة القضائية والفرقة الوطنية، حيث ارتفع عدد الممنوعين من مغادرة التراب الوطني إلى 13 شخصًا، يتقدّمهم أرباب مطاحن كبرى وعدد من الوسطاء والموزعين الذين كانوا يشكّلون حلقة الربط بين الإنتاج والتوزيع، ولكن على طريقتهم الخاصة التي تضمن الربح السريع والتهرب من الرقابة.

شبكة مُحكمة بخيوط الدقيق!

حسب ما تسرّب من المعطيات الأولية، فإن بعض المطاحن كانت تتلقى كميات ضخمة من الدقيق المدعم المخصص للطبقات الفقيرة، ثم يعاد توجيه هذه الكميات إلى أسواق حرة بأسعار مرتفعة، لتختفي بذلك القيمة الاجتماعية للدعم وتتحول إلى مكاسب شخصية توزّع بين أطراف الشبكة. البعض يشتري الفواتير، والآخر يزوّر الكميات، والبعض الثالث يسهّل مرور الشاحنات، وكأنها تحمل طحينًا تجاريًا لا علاقة له بالدعم العمومي.

وثائق مزوّرة وحسابات مُبهَمة

التحقيقات الأولية كشفت كذلك عن وجود تلاعب في الوثائق المحاسبية للمطاحن وبعض الجمعيات التي يُفترض أن توزّع الدقيق على القرى والمناطق النائية. فبين الكميات المسجلة على الورق وتلك التي وصلت فعليًا إلى المستفيدين فارق مهول يطرح أسئلة ثقيلة حول رقابة وزارة الفلاحة والداخلية. كما وُجهت أصابع الاتهام إلى بعض المسؤولين المحليين الذين يُشتبه في تغاضيهم عن هذه الممارسات مقابل امتيازات مالية أو عينية.

حين يتحول الدعم إلى دكان ربح

الدقيق المدعّم، في الأصل، مشروع تضامني أُحدث لمساندة الأسر المعوزة وضمان استقرار أسعار المواد الأساسية. لكنه في كثير من الحالات تحوّل إلى بقرة حلوب لأصحاب النفوذ الصغير والكبير. فكل قنطار يُهرَّب من مساره القانوني يعني حرمان أسرة فقيرة من خبز يومها، لكن في المقابل يعني ربحًا سريعًا في السوق السوداء.
بعض التقارير غير الرسمية تحدثت عن أرباح خيالية تحقّقها هذه الشبكات، تصل أحيانًا إلى ملايين الدراهم شهريًا، تُقسّم بدقة بين المطاحن، الناقلين، الوسطاء، وأحيانًا بعض المسؤولين الإداريين الذين يغضّون الطرف عن التجاوزات مقابل “نصيبهم من الكعكة”.

فاس… نقطة البداية أم رأس جبل الجليد؟

القضية المشتعلة في فاس ليست معزولة كما يبدو. فكل المؤشرات تفيد بأنها جزء من شبكة وطنية أكبر تمتد خيوطها إلى مدن أخرى كخريبكة، مكناس، وسيدي قاسم. بل إن بعض الأصوات في البرلمان طالبت بفتح تحقيق وطني شامل حول كيفية تدبير منظومة الدقيق المدعّم منذ سنوات، معتبرة أن هذه الفضيحة ليست سوى نتيجة طبيعية لسنوات من غياب المراقبة والتلاعب في الدعم العمومي.

النيابة العامة تدخل على الخط بقوة

النيابة العامة، بعد اطلاّعها على التقارير الأمنية والبرلمانية، أمرت بفتح تحقيق قضائي دقيق يشمل الفحص المالي والإداري لكل المطاحن المعنية، وتتبع حركة الشحنات ومصدرها ومآلها، كما صدرت قرارات منع من السفر في حق المتورطين المحتملين إلى حين استكمال التحقيقات. وتفيد مصادر مطلعة أن التحقيقات مرشحة لتطيح بأسماء أخرى نافذة في القطاع، خاصة بعد العثور على تحويلات مالية مشبوهة بين بعض المطاحن وشركات وهمية.

صدى في البرلمان والرأي العام

الجدل الذي أثير تحت قبة البرلمان كشف حجم الغضب داخل المجتمع من العبث في أموال الدعم العمومي. فالقضية تمسّ أبسط حق من حقوق المواطن المغربي، وهو الحق في الخبز الكريم. وقد طالب عدد من النواب بإعادة النظر في منظومة الدعم برمتها، واقتراح آليات رقمية شفافة لتتبع توزيع الدقيق المدعّم، بدل تركها رهينة الأوراق والفواتير اليدوية التي يسهل تزويرها.

بين العار والمساءلة

القضية اليوم تجاوزت حدود فاس لتصبح رمزًا للفساد البنيوي الذي ينخر بعض القطاعات الحيوية. فحين يصبح “خبز الفقراء” مجالًا للسمسرة، فالمسألة لم تعد مجرد مخالفة إدارية بل خيانة اجتماعية صريحة.
ولعل ما زاد من الاحتقان أن هذه الفضيحة تزامنت مع ارتفاع أسعار القمح في السوق الدولية، ومعاناة الأسر المغربية مع الغلاء، ما جعل من الملف قضية رأي عام وطني بامتياز.

ختامًا…

ربما ستكشف الأيام المقبلة مزيدًا من التفاصيل والأسماء، لكن المؤكد أن هذه الفضيحة أعادت إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا:
من يحمي الدعم العمومي من المتلاعبين؟
فإذا كان الفقير لا يجد رغيفه، بينما تُباع قناطير الدقيق المدعّم في الأسواق الحرة بأثمان مرتفعة، فالمشكل ليس في “العجين”، بل في “الأيادي” التي تعجنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.