
ضربة قلم
القضية التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الأخيرة لم تكن مجرد زوبعة في فنجان سياسي، بل أشبه بصرخة داخل مطحنة غارقة في الغبار والشكوك. فحين يخرج رئيس فريق برلماني، أحمد التويزي، ليقول أمام الملأ إن بعض الشركات “تطحن الأوراق بدل القمح”، فالأمر لا يُؤخذ على أنه زلة لسان، بل إشارة حمراء إلى ملف ثقيل تتجاوز رائحته حدود الطحين لتصل إلى مطابخ الفساد الكبرى.
الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط لم يتأخر في التقاط الإشارة، فأمر بفتح تحقيق قضائي في الموضوع، بعدما ترددت بين الناس أخبار عن احتمال وجود تلاعب خطير في قطاع حساس يمس لقمة عيش ملايين المغاربة. فالدقيق المدعوم ليس مجرد سلعة، بل رمز اجتماعي لما تبقّى من مفهوم “الدعم” في بلد يئن تحت وطأة الغلاء.
القصة بدأت حين قال التويزي إن بعض المطاحن لا تطحن إلا “الورق”، في إشارة إلى أن الدعم الذي يُرصد للدقيق لا يذهب بالضرورة إلى الفقراء، بل إلى جيوب من تعلموا كيف “يطحنون” القوانين والمراقبة معًا. عبارته كانت صادمة بما يكفي لتشعل جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، قبل أن يتراجع قائلًا إن ما قصده لم يكن الخلط الحرفي بين الورق والقمح، بل الحديث عن فساد هيكلي يتعلق بتزوير الفواتير واستغلال الدعم العمومي، الذي بلغ هذه السنة ما يقارب 16.8 مليار درهم.
غير أن التراجع لم يُطفئ النار، بل زادها اشتعالًا. فهناك من قرأ في كلامه تلميحًا إلى فضيحة أكبر بكثير مما قيل، وهناك من اعتبر أن “لوبي المطاحن” لم يتحمل اتهامات من هذا الوزن، فسارع إلى تحويل النقاش نحو “المعنى المقصود” بدل مواجهة جوهر القضية: أين تذهب أموال الدعم؟ ومن يراقب جودة ما يُقدَّم للمستهلك المغربي؟
في الكواليس، تُروى حكايات كثيرة عن “الطحانين الجدد”، أولئك الذين لا يلمسون القمح إلا في التقارير، ولا يرون الفقراء إلا في نشرات الأخبار. فالدقيق المدعوم صار بالنسبة للبعض بوابة للثراء السريع، وصفقات تُدار خلف الأبواب المغلقة، وشبكة متداخلة من المصالح بين مسؤولين ومتعهدين وموزعين، كلهم يتقاسمون الكعكة على حساب المستضعفين.
ولأننا في بلد تعوّد أن لا تُفتح التحقيقات إلا بعد أن يتحدث أحدهم بصوت عالٍ، جاء تدخل النيابة العامة بمثابة خطوة مطلوبة، ولو متأخرة، لطمأنة الرأي العام بأن القانون ما زال حاضرًا ولو بعد الطحن. فالملف لا يتعلق فقط بصحة المواطن، بل بثقته في المؤسسات، في وقت صار فيه الفساد أكثر نعومة من الدقيق نفسه، يتسلل إلى الموائد بلا ضجيج، ويُستهلك يوميًا مع الخبز الحزين.
القضية اليوم ليست ورقًا ولا قمحًا، بل منظومة بأكملها تحتاج إلى غربال شفاف، يفرز بين الطحين الصالح والفساد الفاسد، بين من يطحنون من أجل العيش ومن يطحنون من أجل الريع. والكرة الآن في ملعب العدالة، لتكشف لنا: من الذي خلط الورق فعلاً، ومن الذي ما زال يخلط الأوراق؟




