الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يُقصى الحكماء: عزوف كبار السن عن المشاركة في الحياة العامة… صمتٌ مريب ومجتمع يُدير ظهره للذاكرة

ضربة قلم

في زمن تُستبدل فيه الخبرة بالسرعة، والتجربة بالصورة، بات حضور كبار السن في المشهد العام شبه غائب، أو أقرب إلى الاستثناء العابر لا القاعدة الراسخة. لم تعد المجالس تُزين بكبار الحي، ولا تُستشار العقول التي راكمت نصف قرن من التجربة، ولا يُطلب رأي “الحاج” أو “الحاجة” إلا في مسائل الطقوس العائلية، وربما حتى هذه بدأت تُدار دونهم، باسم الحداثة تارة، وبذريعة التطور تارة أخرى. في المغرب، كما في كثير من البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية غير محسوبة الوجهة، يتكرس بهدوء عزوف كبير من فئة المسنين عن الانخراط في الحياة العامة، سواء على مستوى الشأن المحلي، أو العمل الجمعوي، أو حتى فضاءات الحوار العمومي.
المفارقة أن هذه الفئة، التي تشكل نسبة مهمة من ساكنة البلاد، والتي عاشت التحولات العميقة منذ عهد غابر وحتى اليوم، تجد نفسها فجأة خارج الزمن الاجتماعي والسياسي، كأن عقارب الساعة لم تعد تعرف طريقها إلى ذاكرتهم وتجربتهم. نادراً ما نسمع عن شيوخ يُدعون للمساهمة في الورشات الثقافية، أو في إعداد السياسات العمومية المحلية، أو حتى في النقاشات العمومية التي تتناول قضايا التراث أو التحولات القيمية. بل نكاد نُحيلهم إلى دور العجزة الرمزية، حيث لا دور لهم إلا الجلوس في الزوايا، واستذكار الماضي بصوت خافت لا يسمعه أحد.
ما يُثير الانتباه في هذا العزوف ـ وهو في جزء منه اختياري، وفي جزء أكبر منه إجباري ناتج عن التهميش ـ أنه لا يحظى بأي اهتمام إعلامي يُذكر. نادراً ما تفتح القنوات العمومية أو الخاصة نقاشاً جاداً حول قيمة الشيوخ في إعادة التوازن القيمي داخل المجتمع. لم نعد نرى البرامج التي تستضيف المُسنين للحديث عن تجاربهم، ولا نقرأ مقالات تحلل دورهم في مواجهة العزلة، أو التصدي لأزمات القيم التي تعصف بالشباب، أو مشاركتهم في الرقابة الاجتماعية التي طالما كانت ضامناً للاستقرار الرمزي داخل الأحياء والأسَر.
في القرى، حيث ما تزال بقايا الاحترام قائمة، يحتفظ المسن ببعض الهيبة، لكنه لا يشارك إلا رمزياً في الشأن المحلي، وغالبًا ما يُستبعد في القرارات المصيرية. أما في المدن، فقد تحوّل إلى رقم منسي، يتنقل بين المسجد والصيدلية، وبين التلفاز والفراغ، إن لم يكن مهمشًا في مؤسسات الهشاشة الاجتماعية، حيث يُعامل كحالة مرضية لا كذاكرة حية.
يُرجع البعض هذا التراجع إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، والتي خلقت انفصالاً قيمياً حادًا بين الأجيال. جيل الإنترنت لا يعرف كثيرًا عن جيل البريد الورقي، ولا يشعر بالحاجة إلى الإنصات إليه. التعليم الجديد أغلق الباب أمام “الحكاية”، والسياسات الثقافية لم تعد تعترف بالشهادة الشفوية كقيمة معرفية، ووسائل الإعلام تصنع نجوماً من الفراغ وتُقصي من تعبوا ليصنعوا الوطن في صمت.
ولعل الأخطر من هذا كله أن المؤسسات الرسمية، من جماعات محلية ومجالس منتخبة ومراكز القرار، لا تُبادر إلى إشراك هذه الفئة في إنتاج السياسات المحلية أو في تسيير الشأن العام. يُعامل المسن كمُستهلِك للسياسة لا كمُنتج لها، وكأن الديمقراطية تبدأ وتنتهي في سن الخمسين. فهل يُعقل أن مجتمعاً يسعى للتوازن يهمّش أعمدته الرمزية؟ وهل يمكن لعجلة التنمية أن تدور دون رأي الذين عاشوا مآسي وحروباً وتغيرات وأزمات، ونجوا منها بالخبرة والصبر؟
ربما حان الوقت لنعيد طرح السؤال الحقيقي: هل نحن مجتمع يُكرّم كبار السن فعلاً، أم أننا فقط نغلف التهميش بورق التبجيل الزائف؟ لأن التبجيل دون إشراك، والاحترام دون مسؤولية، ليس إلا شكلاً من أشكال الإقصاء المقنع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.