الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حي البرادعة الصفيحي: بين الركام والوعد المكسور

م-ص

في حي البرادعة الصفيحي، لم تكن البيوت تحمل أرقامًا رسمية، لكن كل زاوية كانت تحمل اسمًا محفورًا في الذاكرة. هنا كانت “خديجة” تجلس كل مساء على رصيف ضيق، تتحدث مع جيرانها عن يوم طويل، وتشاركهم هموم الأطفال والخبز والمطر الذي يتسرب بين الصفائح. هناك، كان “عمي عبد القادر” يتجوّل بين الأزقة، يحمل سلة الخضر على ظهره، يبيع ويبتسم، ويعرف كل شخص باسمه، وكأن الحي كله يعرفه.

بين هذا الجدار وذاك، كانت تمر ضحكات الصيف، وأحاديث الشتاء الطويل، وسرد القصص عن الأيام التي مرت، عن الفرح والحزن، عن الأحلام الصغيرة التي تتكاثر في قلوب الأطفال. كل ركن في الحي كان يحكي حكاية، وكل بيت صغير كان مأوى لأحلام كبيرة، لشباب يتمنون حياة مستقرة، ولأمهات يعلمن أولادهن أن البقاء رغم الصعاب أحيانًا، أكثر قيمة من أي وعد يُعطى.

الثلاثة الشباب، ممثلو السكان من فصيل العدل والإحسان، كانوا يعلمون أن وعد العمالة بتأجيل الإخلاء حتى الصيف القادم كان خيط أمل وحيد لكل من بقي في الحي. الوعد جاء بعد شهور من التفاوض، ومعه ارتسمت على وجوه السكان ابتسامة خافتة، شعور بأن مستقبل أبنائهم في المدارس القريبة لن يتعطل.

لكن ذلك الصباح، قبل أن يفتح الفجر عينيه، باغتهم الواقع بقسوة غير متوقعة. لم تكن أصوات الجرافات، مجرد صوت آلية تعمل، بل كانت صرخة غاشمة تقطع كل وعد، كل أمل، وكل حلم. قوات الأمن انتشرت في الأزقة الضيقة، تمنع أي حركة، وكل صرخة احتجاج، قُوبلت بصمت الجرافة الذي يمزق البيوت قطعة قطعة.

الأم، التي جمعت صور الأب الراحل قبل سنوات، شعرت أن قلبها ينهار، قبل سقف غرفتها. ضمّت الصور إلى صدرها، تحاول أن تحمي ما تبقى من تاريخ العائلة، في ظل الصراع العنيف بين الخراب والذكريات. الطفل يقف بجانبها، عيناه واسعتان، يبحثان عن أي تفسير للعالم الذي تحول فجأة إلى فوضى.

حين سقط آخر جزء من السقف، لم يكن مجرد الحديد أو الخشب الذي انهار، بل شعرت الأم، بأن كل الذكريات فقدت جدرانها، وأن الحي كله صار بلا ملامح، بلا أسماء، بلا حياة. وضعت الصور في كيس بلاستيكي، أمسكت بيد طفلها، ومشت ببطء بين الركام، غير مدركة الطريق، لكنها كانت تعرف أن البقاء أصبح مستحيلًا.

خلفهما، بقيت بقعة داكنة على الأرض، كأنها ظل بيت كان هنا. بيت بلا رقم، لكنه كان يحمل حياة كاملة: تعب أب، صبر أم، وأحلام طفل كان يظن أن العالم، يبدأ من غرفته الصغيرة.

والسؤال الذي ترافقهما، ينساب مع الزقاق الذي أصبح فجأة أوسع، أصعب، أكثر تهديدًا:
إلى أين؟

في تلك اللحظة، بدت السماء رمادية أكثر من أي وقت مضى، صامتة، شاهدة على وعد مكسور، وخيبة أمل تتقاطر على السكان. المدينة الكبيرة تواصل يومها، كأن شيئا لم يحدث، لكن في حي البرادعة الصفيحي، كل شيء تغير إلى الأبد.

كان الحي بأكمله يختنق بالغضب والحيرة والخوف، متسائلًا هل سيجد السكان مأوى، أم أن حياتهم كلها ستذوب بين الركام والتراب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.