خالي في البرلمان… وجارنا وزير الإعلام: الواتساب يحكم!

ضربة قلم
في المغرب، لم تعد السياسة تدار في قبة البرلمان فقط، ولا في مكاتب الأحزاب، ولا حتى في صالونات النخبة. السياسة اليوم تُناقَش وتُمرر وتُحلل في أقوى مؤسسة إعلامية غير رسمية: جروبات الواتساب!
نحن هنا لا نتحدث عن “الإعلام البديل”، بل عن السلطة الحقيقية للعم خالد، وخالي عبد القادر، وجارتنا زهرة، أولئك الذين يتلقون الأخبار من مصادرهم “الموثوقة”، ويرسلونها مرفقة بجملة لا تموت أبدًا:
“توصلت بها من مصدر مقرب والله أعلم”.
من الصحفي إلى “خالي في البرلمان”
انقرضت عادة قراءة الجرائد الورقية، وتراجعت حتى المواقع الإلكترونية، وحلّت مكانها “رسائل صوتية بصوت مهتز” يدعي صاحبها أنه:
ضابط سابق في المخابرات،
أو مستشار وزير،
أو صديق حميم لأحد الذين “كانو حاضرين فداك الاجتماع السري”.
وبينما تكلفت الدولة بمشاريع رقمية لتقريب الخدمة من المواطن، تولّت عائلة المواطن نفسه مهمة تقريب التحليل السياسي من التلاوة الفقهية.
“خالي في البرلمان”، هذا الكائن الأسطوري، يعرف كل شيء:
نتائج التصويت قبل وقوعه،
أسرار التحالفات الحكومية،
التعيينات الكبرى،
ويؤكد لك أن “القرارات راه تخدات، ولكن مزال ما بغاو يعلنوها”.
التـForward… سلاح ذو حدين
ميزة الواتساب أن الرسائل تنتقل بسرعة، لكن الكارثة أن المعلومة لا تُراجَع، ولا تُفنَّد، ولا تُحلَّل.
تأتيك رسالة من سبع فقرات، بصيغة جد واثقة، تخبرك أن:
المغرب سيغير العملة إلى “درهم رقمي”،
الحكومة ستسقط يوم الاثنين المقبل بعد صلاة العشاء،
الوزير الفلاني سيُقال لأنه “ما عاجبش القصر”.
وإذا حاولت التشكيك أو طلب المصدر، يُرد عليك بسرعة:
“هادي جابت ليها بنت خالتي من الرباط، راجلها خدام فشي بلاصة…”
وكأننا أمام جهاز استخباراتي يُدار من مطبخ العائلة!
تحليل سياسي على طاولة الفطور
في المغرب، يمكن أن تسمع تحليلاً سياسيًا معقدًا في مقهى شعبي على النحو التالي:
“شوف، هاد الوزير راه جا غير باش يدوز المرحلة، راه القضية فيها صراع أجنحة، وراهم كيتفرجوا عليه واش غادي يطيح بوحدو ولا يطيحوه!”
وحين تسأل: “ومن قال لك هذا؟”
يجيبك بثقة عجيبة:
“دازت ليا فواحد المساج… داكشي بصوت راجل كبير، باين عليه فاهم!”
الإعلام الرسمي؟! الله يعاونو…
الإعلام التقليدي يُكابد من أجل الدقة، يراجع الأخبار، ينتظر البلاغات، ويتريث في النشر.
لكن الواتساب لا ينتظر شيئًا. ينشر أولًا، ويفكّر لاحقًا… إذا فكّر أصلاً.
حتى البلاغات الرسمية صارت تُفكك على الواتساب، وتُؤوّل من طرف خبراء التحليل الفوري:
“آش قالو؟ تسقيف الأسعار؟ آه راه هادي كتعني أن الشركات دازت دكشي لي بغات!”
“قرار منع التصدير؟ راه كاين شي عاصفة جاية، هادي غير تغطية!”
كل شيء له تفسير “خاص”، والتأويل الشعبي أصبح مرجعية مستقلة بذاتها.
الضحية الأولى: الحقيقة
أمام هذا الكم من الرسائل المعادة التوجيه، تضيع الحقيقة، وتصبح “الشائعة المدروسة” أكثر تأثيرًا من البيان الرسمي.
وكلما كانت الرسالة صادمة، كلما زاد انتشارها.
وإذا تضمنت دعاءً في آخرها (من نوع: “اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا”) فهي تكتسب هالة شرعية تجعل التشكيك فيها كفراً وطنياً.
الحل؟ ماشي بالساهل…
لا يمكن أن تمنع الناس من إرسال الرسائل.
ولا يمكنك أن تطلب من خالي أن يتأكد من المصادر قبل الإرسال، لأنه يؤمن أن “خالي الآخر” موثوق.
ولا تقدر أن تفرض على جروبات العائلة سياسة تحرير!
لكن ربما الحل في “مناعة رقمية”، تُدرَّس منذ الصغر، تجعل المواطن يطرح السؤال الضروري:
من قال هذا؟ ولماذا؟ وهل يعقل؟
خاتمة:
“الواتساب السياسي” ظاهرة معاصرة، تُجسد كيف يتحول المواطن من متلقٍ إلى مرسل، ومن قارئ إلى ناشر ومحلل استراتيجي.
قد يبدو الأمر طريفًا في ظاهره، لكن حين تصبح قرارات المواطن وآراؤه مبنية على سلسلة من الـForwardات، فالأمر يستدعي وقفة حقيقية…
ليس فقط لوقف النشر، بل لفتح النقاش الحقيقي خارج شاشة الهاتف.




