الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائيةالشأن المحلي

خرج من السجن… وقضية 17 مليار لا تزال تطارد الرأي العام

ضربة قلم

غادر زين العابدين حواص، الرئيس السابق لجماعة حد السوالم، أسوار السجن، فعادت معه إلى الواجهة، واحدة من أكثر القضايا التي التصقت بالذاكرة الشعبية، رغم أن الزمن حاول طمسها: حكاية “17 مليار”، تلك القصة التي صارت أكبر من صاحبها، وأشهر من منصبه، وأطول عمراً من مسيرته السياسية نفسها.

تسع سنوات كاملة، قضاها الرجل خلف القضبان، وهي مدة ليست قصيرة في عمر إنسان، لكنها بدت قصيرة جداً في عمر الحكاية. لأن القصة، لم تكن مجرد ملف قضائي، بل كانت عرضاً سياسياً جماهيرياً مفتوحاً: بطل منتخب، أموال كثيرة، إشاعات أكثر، ومواطنون يتفرجون من بعيد وهم يحسبون، كم مستشفى يمكن بناؤه بذلك الرقم، وكم طريقاً يمكن تعبيده، وكم شاباً يمكن إنقاذه من البطالة لو أن “المليارات” كانت تسير في الاتجاه الصحيح.

في بدايات الملف، لم يكن اسم حواص، يتداول باعتباره رئيس جماعة أو برلمانياً سابقاً، بل باعتباره “مول 17 مليار”، وهو لقب لم تمنحه له المحكمة، بل منحه له الشارع، وهو لقب أقوى من كل الأحكام، لأنه يدخل مباشرة إلى الذاكرة الشعبية ولا يحتاج إلى محاضر ولا إلى منطوق حكم. فالناس لا تحفظ أرقام المواد القانونية، لكنها تحفظ الأرقام الكبيرة، خصوصاً حين تُقرن بالفساد.

ومع مرور الوقت، تحوّل الرجل من مسؤول منتخب إلى رمز فكاهي سياسي: كلما أراد المغاربة السخرية من الفساد، استحضروا اسمه. وكلما أرادوا الحديث عن المال العام، عاد الرقم الأسطوري إلى التداول: 17 مليار، رقم لا يعرف أحد على وجه اليقين، هل كان واقعاً أم مجرد شائعة، لكنه ظل حياً، أكثر من كل التفاصيل القضائية الدقيقة.

العجيب في هذه القصة ليس فقط ما وقع، بل ما لم يقع:
الرأي العام الذي كان يتابع الملف بشغف في بداياته، نسيه بالتدريج، كما تُنسى المسلسلات الطويلة، حين تطول أكثر من اللازم. الأخبار الجديدة جاءت، الفضائح تبدلت، الوجوه تغيّرت، أما “مول 17 مليار” فبقي حبيس لقب، أكثر مما بقي حبيس زنزانة.

وخلال هذه السنوات التسع، ظل الرجل يقضي عقوبته بعيداً عن الأضواء، بينما القصة نفسها، كانت تتجول في المقاهي ومواقع التواصل بحرية تامة. هو في السجن جسداً، وهي في الخارج أسطورة. هو في الصمت القضائي، وهي في الضجيج الشعبي. وكأن المغرب، قرر أن يعاقب الشخص بالقانون، ويعاقب الحكاية بالتداول الأبدي.

ثم جاء خبر الإفراج عنه، بعد استفادته من العفو، عما تبقى من مدة العقوبة، فعادت القصة من جديد إلى السطح، لا باعتبارها ملفاً قضائياً انتهى، بل باعتبارها سؤالاً اجتماعياً مفتوحاً:
هل انتهت القضية فعلاً؟
أم أن الذي انتهى فقط هو الزمن القانوني للعقوبة؟
وهل المجتمع يحتاج إلى العدالة فقط، أم إلى ذاكرة أيضاً؟

المفارقة الساخرة أن الرجل خرج من السجن، بعد أن قضى وقتا طويلا من عقوبته، بينما “17 مليار” لم تخرج من ذاكرة الناس بعد. خرج هو بملابسه المدنية، وبقي الرقم مرتدياً بدلته الثقيلة، في المخيال الشعبي. كأن العقوبة طالت الجسد، ولم تطل اللقب. وكأن السجن كان لجسد الرجل، لا لاسمه الرمزي.

وهنا تطرح السخرية نفسها:
في المغرب، يمكن أن تخرج من السجن،
لكن لا يمكنك أن تخرج من اللقب.
يمكن أن تُنهي عقوبتك،
لكن لا يمكنك أن تُنهي نكتة صنعتها الذاكرة الجماعية.

قضى الرجل تسع سنوات، والرأي العام قضى نصف ساعة فقط، في التفكير العميق بالقضية، ثم عاد إلى حياته اليومية. وبين الزمنين فرق كبير: زمن العقوبة، وزمن النسيان. الأول بطيء وثقيل، والثاني سريع وخفيف. وهذا ربما هو أخطر ما في القصة: أن القضايا الكبرى تتحول إلى طرفة، والفضائح إلى حكايات تُروى للتسلية، بدل أن تبقى دروساً في المسؤولية والمحاسبة.

واليوم، بعد خروجه من السجن، لا يعود زين العابدين حواص، إلى المشهد السياسي، بل يعود إلى المشهد الرمزي: شخصية من شخصيات الذاكرة المغربية الحديثة، إلى جانب أسماء أخرى، صنعتها الفضائح، أكثر مما صنعتها البرامج الانتخابية. رجلٌ سيُذكر لا بما أنجز، بل بما قيل عنه. لا بما بنى، بل بما قيل إنه وُجد في بيته.

وهكذا، بين تسع سنوات من السجن، وعشرات السنين من الذكرى الساخرة، تبقى قصة “17 مليار” مثالاً صارخاً على كيفية تحوّل السياسة في المغرب، من ممارسة تدبيرية إلى حكاية شعبية، ومن ملف قضائي إلى نكتة جماعية، ومن رئيس جماعة إلى رقم مالي يمشي على قدمين.

خرج الرجل من السجن،
لكن الرقم بقي حراً.
انتهت العقوبة،
لكن الحكاية لم تنتهِ.

وفي بلدٍ تعيش فيه القصص أطول من الأحكام، يبدو أن بعض الملفات لا تُغلق، بل تُطوى فقط… في انتظار موسم جديد من الذاكرة الساخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.