الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

خريبكة تتحول إلى بؤرة تحقيقات فساد تزلزل السياسة المحلية

ضربة قلم

تستعد غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف في الدار البيضاء مع بداية شتنبر، لفتح واحد من أكثر الملفات سخونة في تاريخ تدبير الشأن المحلي بالمغرب: ملف جماعة خريبكة، المدينة التي لطالما ارتبط اسمها بالفوسفاط، قبل أن يتحول إلى عنوان لفضيحة مالية هزّت أركان السياسة والإدارة.
القضية ليست مجرد ورقة في رفّ القضاء، بل هي حكاية ممتدة لسنوات، تبدأ من مكاتب الجماعة حيث تُوقّع الصفقات، مرورًا بمقاولات محظوظة لا يعرف سرّ حظها إلا قلة، وصولًا إلى مشاريع على الورق لم تطأها يد التنفيذ على الأرض. وبين هذه المحطات، أسماء ثقيلة في المشهد السياسي، وملفات مالية بمئات الآلاف من الدراهم، واتهامات تنوء بحملها القوانين الجنائية.

اسم في الواجهة
في قلب هذه العاصفة يقف المهدي عثمون، البرلماني السابق والقيادي البارز في حزب الحركة الشعبية، والرئيس الأسبق لجماعة خريبكة. عثمون، الذي عرفته المدينة في زمن ما كوجه سياسي قوي، يجد نفسه اليوم في قفص الاتهام، متابعًا بجناية تبديد واختلاس أموال عمومية واستغلال النفوذ، إلى جانب ثمانية متهمين آخرين: مسؤولون، موظفون، ومقاولون.
أحكام أولية… لكنها ليست النهاية
الملف بلغ أولى محطاته القضائية في شتنبر 2023، حين أصدرت الغرفة الابتدائية أحكامًا وُصفت بالثقيلة: ثلاث سنوات نافذة وغرامة 30 ألف درهم في حق عثمون، وأحكام بالسجن بين ستة أشهر وسنتين على باقي المتهمين، مع غرامات مالية متفاوتة. غير أن الاستئناف فتح الباب أمام جولة جديدة، حيث سيعود الجميع إلى قاعة المحكمة ابتداءً من شتنبر الجاري، في جلسات قد تعيد رسم ملامح الملف من جديد.
أرقام تفضح الواقع
تقرير المجلس الجهوي للحسابات كان بمثابة الصندوق الأسود الذي فتح أعين الرأي العام على حجم الاختلالات. سندات طلب بأكثر من نصف مليون درهم منحت لشركة يملكها عضو سابق بالمجلس، صفقة تجهيزات كهربائية تقارب قيمتها 900 ألف درهم لم تُنجز كما ينبغي، محلات تجارية شُيّدت بلا تراخيص أو تصاميم، ورسوم وضرائب تبخرت في الهواء. كل ذلك موثق بأرقام وتواريخ وتوقيعات.
تحقيقات بدم بارد
الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تحت إشراف مباشر من النيابة العامة، فتحت أوراق الملف على مصراعيه، استمعت للشهود، دققت في العقود، وواجهت المسؤولين بتقارير الرقابة المالية. التحقيقات لم تكتف بالسطح، بل ذهبت إلى عمق شبكة العلاقات بين المنتخبين والمقاولين، حيث تداخلت السياسة بالمصالح الخاصة، وتحوّل المال العام إلى غنيمة يتقاسمها المحظوظون.
رهان الشفافية أو سقوط الثقة
اليوم، لم يعد هذا الملف مجرد شأن محلي. الإعلام، الأحزاب، وجمعيات حماية المال العام يتابعونه كاختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على كسر حلقة الإفلات من العقاب. فالمحكمة لا تفصل فقط في مصير عشرة متهمين، بل تحاكم نموذجًا كاملًا من التدبير الذي يستنزف المال العام بلا محاسبة.
ماذا بعد؟
السيناريوهات مفتوحة: تأييد الأحكام السابقة، تشديد العقوبات، أو حتى البراءة إذا نجح الدفاع في قلب المعطيات. لكن المؤكد أن جلسات شتنبر ستكون تحت مجهر الرأي العام، في وقت يبحث فيه المغاربة عن إشارات ملموسة على أن زمن التساهل مع الفساد قد ولى.
خريبكة اليوم ليست فقط عاصمة للفوسفاط، بل مرآة تعكس أزمات التدبير المحلي في المغرب: موارد مالية مهمة، مشاريع مؤجلة، ومسؤولون تحاصرهم الشبهات. والكرة الآن في ملعب القضاء… فإما أن يكتب سطورًا جديدة في معركة الشفافية، أو أن يُغلق الملف بهدوء، تاركًا الغبار يعلو فوق الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.