
ضربة قلم
ومن بين العادات التي ترسخت عند كثير من المواطنين، خصوصًا سكان المدن، أن يقتني الشخص الكبش مبكرًا، لكنه يتركه عند “الكساب” أو البائع إلى غاية اقتراب العيد. الفكرة تبدو عملية ومنطقية:
لا مكان في الشقة، لا قدرة على تحمل الرائحة، لا وقت للاهتمام بالأضحية، إذن الحل السحري هو:
“خليه عند مول الحولي حتى يجي وقتو”.
لكن، وكما يقول المغاربة:
“النية حاجة… والواقع حاجة أخرى”.
لأن تجارب سابقة تفيد أن بعض المواطنين اكتشفوا، بعد فوات الأوان، أن “الحولي” الذي دفعوا ثمنه كاملاً، اختفى بطريقة سحرية أكثر من اختفاء الساحر في برامج السيرك. لا كبش، لا كساب، لا هاتف يرد، ولا حتى أثر لغبار الرحبة. فقط صدمة ثقيلة، وعبارة تتكرر كل سنة:
“راه مشى لمدينة أخرى!”
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
بعض “الكسابة” الموسميين لا يأتون أصلًا بنية التجارة الشريفة، بل بنية “الغنيمة”. يستأجر “مربطًا” أو مساحة مؤقتة، يضع فيها عشرات الأكباش، يتعامل بلطف مبالغ فيه، يوزع الابتسامات والثقة والكلام المعسول:
“غير هني راسك الحاج… الحولي ديالك غادي يبقى هنا حتى ليل العيد”.
والمواطن، بحسن نية، يدفع المبلغ كاملاً، أحيانًا دون وصل، دون عقد، دون أي ضمانة حقيقية، وكأنه يسلم أمواله لذاكرة رجل لا يعرف عنه سوى أنه يلبس “جلابة” ويعرف أسماء سلالات الغنم!
تمر الأيام، ويعود الزبون ليطمئن على أضحيته، فيجد “مول الحوالة” قد تبخر، والمربط فارغًا إلا من بقايا التبن وبعض الوجوه المصدومة التي جاءت بدورها تبحث عن “حوليها الضائع”.
وفجأة يتحول الكساب إلى “غانم” حقيقي… لكن ليس لأنه باع الغنم، بل لأنه “غنم” أموال الناس واختفى في اتجاه مدينة أخرى، وربما بدأ الموسم نفسه من جديد، تحت اسم جديد، ولهجة جديدة، وحكاية جديدة.
الخطير في هذه الظاهرة، أن بعض الضحايا يشعرون بالخجل من التبليغ، وكأنهم ارتكبوا هم الخطأ، بينما الحقيقة أن الثقة العمياء، خصوصًا في المواسم التي تعرف ضغطًا وعجلة، أصبحت أرضًا خصبة للنصب والاحتيال.
وقد صدرت خلال السنوات الأخيرة، تحذيرات متعددة من عمليات الغش والاحتيال المرتبطة ببيع الأضاحي، سواء داخل الأسواق التقليدية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية.
بل إن الأمر تطور اليوم إلى “رحبات إلكترونية”، حيث تُعرض الأكباش بالصور والفيديوهات، مع وعود بالتوصيل والحجز المسبق، وهو ما فتح الباب بدوره أمام أشكال جديدة من الاحتيال الموسمي.
وفي المغرب، يتحول عيد الأضحى عند البعض من مناسبة دينية وروحية إلى موسم اقتصادي ضخم، تتحرك فيه الملايين، وتُباع فيه ملايين الرؤوس من الأغنام سنويًا. هذا الضغط الكبير يجعل بعض النفوس الضعيفة، ترى في الموسم فرصة ذهبية “لضربة سريعة” قبل الاختفاء.
والمفارقة الساخرة، أن بعض المواطنين أصبحوا يحفظون أسماء سلالات الغنم، أكثر مما يحفظون حقوقهم القانونية. يسألك عن “الصردي” و”التمحضيت” و”البركي”، لكنه لا يسأل عن أبسط شيء:
“فين الوصل؟”
كثيرون يشترون الكبش بعاطفة العيد، لا بعقل الحذر.
يريد فقط أن يطمئن أن أبناءه “غادي يعيدو”، وأن صور الكبش ستصل إلى العائلة، وأن الجيران لن يسبقوه في “التشيار”. وهنا بالتحديد يدخل بعض النصابين من الباب الواسع.
لأن النصب الموسمي يعتمد أساسًا على العاطفة والاستعجال.
وما دام المواطن يقول:
“الله يجعل البركة”
فالنصاب يرد داخليًا:
“الله يجعل الغفلة”.
والمؤسف أيضًا، أن بعض “الكسابة” الشرفاء يؤدون الثمن بسبب هذه التصرفات المعزولة، لأن الثقة في الأسواق تهتز، ويصبح المواطن يشك في الجميع، بينما الحقيقة أن هناك رجالًا يشتغلون بعرق الجبين ويحافظون على الأمانة، رغم صعوبة الظروف وغلاء الأعلاف وتكاليف النقل.
لكن، وسط كل هذا، يبقى السؤال مطروحًا كل سنة:
إلى متى سيستمر بعض الناس في تسليم أموالهم، دون أي ضمانة، فقط لأن “مول الحولي باين عليه ولد الناس”؟
الواقع اليوم يفرض الحذر أكثر من أي وقت مضى:
لا تترك الأضحية دون وثيقة تثبت الشراء، لا تدفع المبلغ كاملاً دون ضمان، لا تثق في الوجوه العابرة، ولا في الكلام المنمق الذي يكثر فجأة مع اقتراب العيد.
لأن بعض “الكسابة” يبيعون الأكباش…
وبعضهم يبيع الوهم فقط.
وفي ظل تكرار مثل هذه الوقائع المؤسفة، لم يعد كافيًا ترك هذه الأسواق مفتوحة، لكل من هبّ ودبّ دون مراقبة حقيقية، لأن الأمر يتعلق بأموال المواطنين وبثقة الناس قبل أي شيء آخر. لذلك، بات من الضروري أن تتحرك السلطات المحلية، من باشوات وقياد، بتنسيق مع المصالح الأمنية، نحو اعتماد مراقبة أكثر صرامة ودقة، لكل الباعة والكسابة الموسميين، الذين يقومون بكراء المرائب أو الفضاءات المؤقتة لبيع الأكباش.
ومن الطبيعي جدًا أن يتم تدوين المعطيات الكاملة لهؤلاء الباعة، من بطائقهم الوطنية وعناوينهم الحقيقية وأرقام هواتفهم، مع التحقق – في إطار القانون – من سوابقهم العدلية إن وُجدت، لأن بعض “الشناقة الموسميين” لا يظهرون إلا في المواسم التي تعرف حركة مالية كبيرة، قبل أن يختفوا تاركين وراءهم عشرات الضحايا.
فكما تخضع أنشطة كثيرة للمراقبة والتنظيم، فمن غير المعقول أن تُترك تجارة موسمية بملايين الدراهم، دون تتبع جدي، خصوصًا وأن بعض المحتالين يتنقلون بين المدن مستغلين غياب التنسيق وضعف المراقبة، فيعيدون السيناريو نفسه كل سنة بأسماء أو وجوه مختلفة.
الهدف هنا ليس التضييق على الكسابين الشرفاء الذين يشتغلون بعرقهم، بل بالعكس، حماية سمعتهم أيضًا من الدخلاء الذين يسيئون للمهنة وللأسواق الشعبية المغربية، ويحوّلون مناسبة دينية واجتماعية إلى موسم للغش والاختفاء السريع.




