
ضربة قلم
يبدو أن بعض المقاهي في الدار البيضاء، اكتشفت أخيراً المنجم الذي عجز الجيولوجيون، عن العثور عليه لعقود طويلة. لا يتعلق الأمر بالنفط ولا بالغاز الطبيعي، ولا حتى بالمعادن النادرة، بل بالمشجع المغربي المسكين الذي يريد فقط مشاهدة مباراة لكرة القدم في ساعة متأخرة من الليل، وهو يحتسي قهوة أو مشروباً بارداً.
فجأة، ومع اقتراب المونديال، ظهرت فكرة عبقرية، تستحق ربما براءة اختراع عالمية: إضافة خمسة دراهم إلى الفاتورة، لأن المباراة تُلعب ليلاً. وكأن الكرة، تصبح أثقل بعد منتصف الليل، أو أن الشاشات تستهلك كهرباء من كوكب آخر، أو أن المعلق الرياضي، يطالب بعلاوة خاصة عن كل هدف يسجله المنتخب الوطني.
لا أحد يعترض على حق أصحاب المقاهي في تحقيق الربح. فالتجارة في النهاية ليست جمعية خيرية، والناس تشتغل من أجل كسب الرزق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تظهر هذه العبقرية التسعيرية فقط ،عندما يتعلق الأمر بحدث يجمع المغاربة ويشعل حماسهم؟
طوال السنة، يجلس الزبون ساعات طويلة على كرسي المقهى، يحتسي قهوة واحدة ويتابع مباريات الدوري الإسباني والإنجليزي والإيطالي ودوري الأبطال، ولا أحد يتذكر حينها أن الكهرباء غالية وأن العاملين، يستحقون تعويضات إضافية. أما عندما يقترب المونديال، فجأة تستيقظ الآلات الحاسبة من سباتها العميق، وتبدأ عملية جمع الدراهم قبل انطلاق صافرة البداية.
والأجمل في الموضوع أن خمسة دراهم، تبدو رقماً بسيطاً حين ننظر إليها منفردة. لكن عندما تضربها في مئات الزبناء كل ليلة، تتحول إلى هدف ذهبي أجمل من أي هدف قد يسجله المهاجمون فوق أرضية الملعب.
لهذا نقول لأصحاب هذه الفكرة المبتكرة: لا تتراجعوا بعد المونديال. إذا كنتم مقتنعين فعلاً بأن الزيادة عادلة ومنطقية، فاتركوها تسري طوال السنة. ارفعوا ثمن القهوة في مباريات برشلونة وريال مدريد. أضيفوا الرسوم نفسها في نصف نهائي دوري الأبطال. طبقوها حتى على مباريات البطولة الوطنية، عندما يتعادل فريقان دون أهداف تحت أمطار الشتاء.
أما إذا اختفت الزيادة مباشرة بعد إسدال الستار على المونديال، فسيصعب إقناع الناس بأن الأمر، يتعلق بتكاليف تشغيل أو مصاريف إضافية. وسيفهم الجميع أن الحكاية، لم تكن سوى محاولة لاقتناص بضعة دراهم إضافية، من جيوب المشجعين الذين لا يريدون تفويت لحظة فرح جماعية.
وفي النهاية، سيبقى المشجع المغربي، وفياً لعادته القديمة. سيغضب قليلاً، ويتذمر كثيراً، ثم سيدفع الزيادة، ويجلس أمام الشاشة الكبيرة، وهو يحلم بهدف تاريخي. لكن الفرق أن عينه ستكون على المباراة، بينما يده الأخرى تتحسس جيبه، لتتأكد أن المونديال لم يتحول هو أيضاً إلى ضريبة موسمية جديدة.
فإذا كانت الكرة لعبة الأهداف، فإن بعض المقاهي، قررت أن تسجل هدفها الأول قبل أن تبدأ المباراة أصلاً.




