
ضربة قلم
ولهذا تظل بعض الملفات الجنائية مثقلة بأسئلة أكثر مما تحمل من أجوبة. ذلك أن ما يقع داخل غرفة مغلقة أو في لحظة توتر قصوى لا يترك وراءه شهوداً دائماً، بل يترك روايات متضاربة وآثاراً مادية وتأويلات قانونية، تحاول إعادة تركيب ما جرى بعد أن يكون الزمن قد ابتلع أهم التفاصيل.
ومن هذا النوع من القضايا، تبدو النازلة التي نظرت فيها غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، وانتهت بإدانة شابة بخمس سنوات سجناً نافذاً، من أجل الإيذاء العمدي المفضي إلى الموت، دون نية إحداثه، إضافة إلى السرقة المقترنة بظروف الليل والعنف.
غير أن ما يثير الانتباه في مثل هذه الملفات، ليس فقط الحكم الصادر، وإنما تلك المنطقة الغامضة التي تسبق الحكم، حيث تتقاطع رواية الضحية مع رواية المتهمة، وحيث يختفي الطرف الوحيد القادر على تأكيد، أو نفي جزء من الوقائع إلى الأبد.
فالمتهمة، خلال أطوار المحاكمة، تمسكت برواية، مفادها أنها لم تكن تنوي إزهاق روح أحد، وأنها وجدت نفسها في وضعية خوف بعدما رافقت الهالك إلى منزل عرضه عليها للكراء. وبحسب أقوالها، فإن الأمور، أخذت منحى مختلفاً، عندما شعرت بأنها ممنوعة من المغادرة وأن محاولة للاعتداء عليها جنسياً، كانت تلوح في الأفق، الأمر الذي دفعها إلى مقاومته ومحاولة الإفلات منه.
هنا تبدأ المنطقة الأكثر تعقيداً في الملف. هل كانت الشابة بالفعل تواجه خطراً حقيقياً؟ وهل كان ما صدر عنها مجرد رد فعل غريزي للهروب من وضعية، كانت تراها مهددة لشرفها وسلامتها الجسدية؟ أم أن الوقائع جرت على نحو مختلف؟
لا أحد يستطيع الجزم بذلك اليوم، لأن الشخص الذي كان بإمكانه تقديم رواية مغايرة فارق الحياة، بينما بقيت المتهمة وحدها، تحمل تفاصيل اللحظات الأخيرة.
صحيح أن القضاء لم يأخذ برواية تنفي المسؤولية الجنائية بالكامل، وصحيح أنه انتهى إلى تحميلها مسؤولية الأفعال التي أدت إلى الوفاة، لكن توصيف الجريمة نفسها، يطرح بدوره معطى مهماً، إذ إن المحكمة لم تعتبر أن هناك نية مسبقة للقتل، وإنما اعتبرت أن الأمر، يتعلق بإيذاء أفضى إلى الموت دون قصد إحداثه.
وهذا الفارق القانوني ليس تفصيلاً بسيطاً، بل يعكس اقتناعاً بأن النتيجة المأساوية، وقعت دون أن تكون غاية مقصودة في حد ذاتها.
أما قصة الهاتف المحمول الذي عُثر عليه بحوزة المتهمة، فقد شكلت بدورها عنصراً من عناصر الملف. وبينما أكدت أنها حملته معها عن طريق الخطأ، خلال لحظات الارتباك والفرار، اعتبرت المتابعة القضائية أن الأمر يدخل ضمن أفعال السرقة المرتبطة بظروف القضية.
وفي النهاية صدر الحكم، وانتهت المرحلة الأولى من المسار القضائي، لكن الأسئلة الإنسانية والأخلاقية، التي تثيرها مثل هذه القضايا تظل مفتوحة. فهناك إنسان فقد حياته، وهناك شابة ستقضي سنوات خلف القضبان، وهناك وقائع قد لا يعرف أحد حقيقتها الكاملة أبداً.
إن أخطر ما في بعض الملفات الجنائية، أنها لا تقدم للمجتمع قصة مكتملة الأركان، بل تترك وراءها فراغات كبيرة. فراغات تملؤها القرائن أحياناً، والاجتهاد القضائي أحياناً أخرى، بينما تبقى الحقيقة المطلقة، حبيسة لحظات انتهت، وربما رحلت بعض أسرارها مع من غادروا الحياة، فيما بقيت أسرار أخرى في ذاكرة من ظلوا أحياء.




