الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

خنيفرة بين صدمة الفيديو وأسئلة المستقبل: حين يتحول “الوصول الجديد” إلى مادة للاحتجاج الشعبي

ضربة قلم

في زمن السرعة الرقمية، لم تعد الأخبار تمر عبر القنوات التقليدية، بل أصبحت الهواتف الذكية هي البرلمان الحقيقي للناس، ومواقع التواصل الاجتماعي هي الساحة التي تنكشف فيها الحقائق وتُصنع فيها الروايات. آخر هذه المشاهد كان في مدينة خنيفرة، حيث انتشر، السبت الأخير، مقطع فيديو مثير للجدل يوثّق لحظة وصول حافلة جديدة تقلّ مهاجرين أفارقة نحو المدينة.

صوت المرافق للفيديو، وهو أقرب إلى تعليق شعبي عفوي منه إلى تقرير صحفي، اختصر الموقف بعبارة لاذعة: “ها هو الفوج الجديد من الأفارقة… وها هو نصيب سكان خنيفرة من الثروة.” جملة قصيرة لكنها مشحونة بالمعاني، تفتح الباب واسعًا أمام النقاش حول الهجرة، العدالة الاجتماعية، التوزيع غير المتكافئ للثقل الديمغرافي، والسياسات الرسمية التي لا ترى في المدن سوى ساحات لتصريف أزماتها.

من “أرض المقاومة” إلى “مستودع البشر”؟

خنيفرة ليست مجرد نقطة على الخريطة. هي مدينة تاريخية ارتبط اسمها بالمقاومة والكرامة الوطنية. لكن ما يثير الغضب اليوم هو أن هذه الأرض التي أنجبت أبطال التحرر تحولت فجأة إلى “محطة إنزال” لسياسات مركزية عمياء. ساكنة المدينة ترى أن ما يحدث ليس صدفة ولا مجرد “إجراء عابر”، بل جزء من سياسة ممنهجة تُلقي بعبء استقبال أعداد متزايدة من المهاجرين غير النظاميين دون أن ترافقها أدنى شروط الاحتضان: لا مراكز إيواء، لا تغطية اجتماعية، ولا حتى خطة اندماج حقيقية.

النتيجة؟ شارع مكتظ، خدمات متردية أصلاً تتعرض لمزيد من الضغط، واحتقان شعبي يتزايد يوماً بعد يوم.

صرخة تخرج من الفيديو

التعليق المرافق للفيديو لم يكن سوى انعكاس لما يختلج في صدور الكثير من المواطنين: شعور بالتهميش والإقصاء، وإحساس بأن الدولة لا تتذكر خنيفرة إلا حين يتعلق الأمر بترحيل الأزمات إليها. في مدينة تعاني من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية الصحية والتعليمية، يصبح وصول فوج جديد من المهاجرين بمثابة صبّ الزيت على النار.

الجملة التي وردت في الفيديو – “ها هو نصيب سكان خنيفرة من الثروة” – تحمل سخرية مرة، كأنها تقول: بدل أن تنال المدينة نصيبها من التنمية، من المستشفيات، من المصانع، من فرص العمل، ها هي تتلقى “نصيبها” من أزمة إقليمية ودولية عجزت الدولة عن إدارتها بطرق عادلة وإنسانية.

هجرة فوق جراح قديمة

المفارقة القاسية أن أبناء خنيفرة أنفسهم يعيشون نوعاً من “الهجرة الداخلية والخارجية”. آلاف الشباب يغادرون بحثًا عن العمل والدراسة، تاركين وراءهم فراغًا اجتماعياً واقتصادياً. واليوم، بينما تُهمل مشاكلهم الأساسية، يجدون مدينتهم تستقبل موجات جديدة من بشر آخرين، دون أي خطة واضحة. وكأن قدر المدينة أن تكون “المكان الذي يغادره أبناؤه ليستقر فيه القادمون الجدد”.

أزمة وطنية بوجه محلي

المشهد لا يخص خنيفرة وحدها، بل هو جزء من سياسة عامة تتعامل مع المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء كـ”ملفات أمنية” أكثر منها “قضايا إنسانية”. في ظل غياب رؤية متكاملة، تتحول المدن المتوسطة والصغيرة إلى ساحات تفريغ، وكأن الحكومة تشتغل بمنطق: “أبعدوا الأزمة عن العاصمة وعن المدن الكبرى.”

لكن هذا المنطق قصير النظر. فالمجتمعات المحلية، حين تُترك لمواجهة الوضع وحدها، تبدأ في الغليان. والغليان إذا لم يُسمع، يتحول إلى انفجار.

أين الدولة؟ أين الكرامة؟

الأسئلة التي يطرحها الشارع كثيرة:

  • لماذا تُحمَّل المدن الهشة فوق طاقتها دون استشارة ساكنتها؟

  • كيف يمكن لمستشفى إقليمي يعجز عن خدمة سكانه أن يستوعب أعداداً إضافية من المهاجرين؟

  • ما مصير أبناء خنيفرة الذين ينتظرون التشغيل والسكن والعدالة الاجتماعية؟

  • أين هي البرامج التي وعدت بها الحكومة حول إدماج المهاجرين في سوق الشغل والتعليم؟

هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة وجودية، تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.

ما وراء الغضب: نحو “ثورة صامتة”

ما ظهر في الفيديو ليس سوى رأس جبل الجليد. تحت السطح هناك غضب مكبوت، وشعور عميق باللاعدالة. وإذا استمرت الحكومة في إنكار الواقع، فإن ما يُعبّر عنه المواطنون اليوم بالسخرية قد يتحول غداً إلى فعل احتجاجي أوسع.

خنيفرة – كغيرها من المدن المنسية – قد تتحول إلى نقطة بداية “ثورة صامتة”، ثورة لا تحمل السلاح، بل ترفع صوتها ضد الإقصاء، ضد التوزيع غير العادل للثروات، وضد سياسة ترحيل الأزمات على حساب الهامش.

كلمة أخيرة

الفيديو المنتشر اليوم ليس مجرد مقطع عابر، بل وثيقة سياسية واجتماعية تُسجَّل للتاريخ. هو صرخة من قلب خنيفرة تقول بوضوح: “نحن لسنا مكبّاً للأزمات. نحن بشر، وهذه أرضنا تستحق التنمية لا التهميش.”

فهل تسمع الحكومة هذا النداء، أم تواصل دفن رأسها في رمال الخطابات، حتى ينهض الهامش من صمته ويحوّل السخرية إلى انتفاضة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.