الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

خوسيه موخيكا: رئيس بلا قصر، زعيم بلا ثروة… وها هو يرحل في صمت الكبار

ضربة قلم

في عالمٍ تتنازعه مظاهر الثراء والنفوذ، كان هناك رئيس مختلف، يمشي بين الناس كما لو كان واحدًا منهم، ويعيش كما يعيشون، بل بأقل. إنه خوسيه “بيبي” موخيكا، رئيس الأوروغواي السابق، الذي لم يختر أن يُعرف بسلطته، بل بتواضعه وصدقه. رجل قضى حياته في خدمة الناس، ورحل عنهم بهدوء، كما عاش.

من السجن إلى الرئاسة

لم تكن حياة موخيكا سهلة. في شبابه، انخرط في حركة “توباماروس” اليسارية المسلحة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وناضل من أجل العدالة الاجتماعية. اعتُقل مرارًا، وتعرض للتعذيب، وقضى 14 سنة في السجن، منها أكثر من سنتين في عزلة قاسية داخل قاع بئر مظلم، دون أن يرى الشمس.

لكن السجن لم يقتل فيه الأمل. حين خرج، اختار طريق الديمقراطية، وانخرط في الحياة السياسية بوسائل سلمية، حتى أصبح رئيسًا للبلاد بين عامي 2010 و2015.

رئيس لا يشبه الرؤساء

حين تولى الرئاسة، رفض القصر الرئاسي، وفضّل البقاء في بيته القروي البسيط، حيث كان يزرع الزهور مع زوجته “لوسيا توبولانسكي”، ويعيش مع كلبه “مانويلا” ذي الساق المبتورة. كان يقود سيارة فولكسفاغن قديمة، ويتبرع بـ90% من راتبه للفقراء والمحتاجين، قائلاً:

“أنا لست فقيرًا، الفقير هو من يحتاج الكثير ليعيش.”

موخيكا لم يملك حسابات بنكية ضخمة، ولا حرسًا مشددًا، لكنه ملك قلوب الناس. كلماته في الأمم المتحدة عن الإنسان والاستهلاك والكرامة أثرت في العالم، لأنها خرجت من قلب رجل عاش ما يقول.

وداع رئيس الفقراء

في 13 مايو 2025، غيّب الموت خوسيه موخيكا عن عمر ناهز 89 عامًا، بعد صراع مع سرطان المريء. لكن رحيله لم يكن عاديًا، بل كان فصلًا أخيرًا في قصة إنسانية نادرة.

أُعلن الحداد الوطني لثلاثة أيام. في شوارع مونتيفيديو، اصطف عشرات الآلاف، يودعونه بالتصفيق، لا بالبكاء، مرددين: “Gracias, Pepe!” (شكرًا يا بيبي).

خوسيه موخيكا: رئيس بلا قصر، زعيم بلا ثروة... وها هو يرحل في صمت الكبار

نُقل نعشه — المغطى بعلم الأوروغواي وراية “أرتيغاس” — على عربة تجرها خيول، مرورًا بأحياء شعبية ومقرات نضاله القديم. توقفت القلوب لحظة دخوله إلى البرلمان، حيث أُلقيت كلمات الوداع من سياسيين وأدباء وشعراء، وسط أنغام أغاني وطنية أحبها.

في النهاية، ووفقًا لوصيته، تم حرق جثمانه، ونُثر رماده تحت شجرة في حديقته، إلى جوار كلبه مانويلا، حيث اعتاد الجلوس صامتًا يتأمل الغروب.

رسالة لا تموت

رحل موخيكا، لكن رسالته باقية:
أن الإنسان يُقاس بما يمنح، لا بما يملك.
أن القيادة ليست في السلطة، بل في الخدمة.
أن التواضع، في زمن التباهي، هو أسمى أشكال الكرامة.

لقد مات “أفقر رئيس في العالم”، لكنه عاش غنيًا بحب شعبه واحترام العالم، وودع الدنيا من حيث أحب أن يكون دائمًا: قريبًا من الأرض، وبين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.