
عبد الإلف بوسيف/ ألمانيا
بين ظهرانينا، لا يختبئ الخونة فقط كظلال عابرة، بل يتسللون إلى المشهد بوجوه مطمئنة، كأنهم يرتدون أقنعة لا تُخلع. على شفاههم ابتسامات منقوشة كالعقود المزيفة، وفي خطاباتهم كلمات تبدو كالعطر، لكنها في حقيقتها سمّ بطيء. يهمسون حينًا، ويصرخون حينًا آخر، لكن في صمت الليل تُسمع خيانتهم بوضوح: مرة بكلمة كسهم يخترق الأعماق، ومرة بلحن يرقص على أوتار الولاء الزائف.
قد يطمئن البعض بالقول، إن هؤلاء الذين “يأكلون الغلة ويلعنون الملة” قلة أقل من قليلة القليلة، وهذا صحيح… لكن الحقيقة الأعمق أن هذه القلة، رغم ضآلتها، تُحسن تضخيم نفسها، وتُتقن احتلال المساحات، وتستفيد من كل هامش متاح لتبدو أكبر، مما هي عليه. صوت مرتفع، حضور لافت، لكن بعمق ضحل، كصدى في كهف فارغ.
هذه الفئة ليست كتلة واحدة، بل وجوه متعددة لنفس التناقض.
فيها من باع بوصلته مقابل امتيازات سهلة، فجعل مصلحته فوق كل اعتبار.
وفيها من تمّ التغرير به، فانخرط في خطاب لا يملك مفاتيحه، يردد ما يُملى عليه كصدى بلا وعي.
وفيها أيضًا من يعيش مفارقة صارخة: يستفيد من خيرات الوطن، من استقراره وخدماته وفرصه، حتى تنتفخ مطالبه بلا سقف، ومع ذلك لا يتوقف عن جلد هذا الوطن، وكأن العطاء حق بلا مقابل، والانتماء امتياز بلا مسؤولية.
الأدهى من ذلك، أن بعضهم لم ينطلق من موقع قوة، بل من الهشاشة نفسها. هذا الوطن احتضنه، حين كان في ضيق، وفتح له أبوابًا كانت موصدة، فانتقل من العوز إلى اليسر، ومن الحاجة إلى الاكتفاء. لكن بدل أن يتحول إلى نموذج للامتنان والعمل، اختار طريق الابتزاز، كأن ما تحقق له، دين في عنق الوطن، لا فضل له فيه. سلوك لم يعد يُخدع به أحد، مهما حاول أن يتزيّن بالكلمات.
هؤلاء يزرعون الريح في حدائقنا، ويغرون الطيور بالضلال، يخبرون النهر أن مياهه ليست له، ويعلّمون الجبال أن الصمت خلاص. يبيعون الذكريات كأنها عملات بلا قيمة، ويحوّلون الأبطال إلى حكايات منسية، ويكتبون التاريخ بمداد من كذب، ويرسمون المستقبل بألوان باهتة تحاول عبثًا إخفاء الظلام.
لكن، ورغم كل هذا الضجيج، تبقى الحقيقة أكثر بساطة وأشد صلابة:
القلب لا يخون،
والأرض لا تنسى أقدام من مشى عليها،
والشمس لا تحيد عن طريقها،
والنهر لا ينسى صوت الصخور تحت الماء.
في الجهة الأخرى، حيث لا ضجيج ولا استعراض، تقف الأغلبية الصامتة.
مواطنون بسطاء، ينهش الفقر تفاصيل يومهم، يواجهون قسوة العيش، ومع ذلك لم يسقطوا في التناقض، ولم يحوّلوا انتماءهم إلى سلعة. ظلوا أوفياء لقيمهم، مقتنعين أن الكرامة لا تُجزّأ، وأن الوطن ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزام يُعاش في التفاصيل.
هؤلاء يفهمون، بوعي أو بفطرة، أن الإنسان قد يجوع، نعم… لكنه لا يبيع نفسه، ولا يقتات من التناقض، ولا يجعل من وطنه ورقة مساومة. يختصرون فلسفتهم في حكمة موجعة وبليغة: الحُرّة قد تجوع، لكنها لا تقتات من ثدييها.
هنا تتجلى المفارقة:
قلة تُجيد الصراخ دون عمق،
وأغلبية تُجيد البناء في صمت.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تضخيم شأن تلك الشرذمة، بل في كشف تناقضها، وتعزيز النموذج النقيض لها: نموذج المواطن الذي يشتغل، ينتقد حين يجب النقد، لكنه لا يسقط في الإساءة، ولا في الهدم المجاني، ولا في خيانة المعنى.
سنحمل الوطن في العيون، في الدم، في النفس.
سنزرع في الأطفال حب الأرض والشمس والسماء،
سنعلّمهم أن الكلمات قد تُستغل، وأن الألحان قد تتحول إلى أسلحة،
لكن الحقيقة، مهما دُفنت تحت رماد الخداع، تبقى حيّة، صلبة، لا تُقهر.
سنحرس جذورنا رغم الرياح،
سنكتب الشعر على جدران قلوبنا،
ونزرع الوفاء في زوايا الزمن،
حتى لو طُعنّا من بين أضلعنا،
حتى لو حاولوا تحريف معاني الحب والأمل.
فالوطن ليس مجرد كلمات تُقال، ولا ألحان تُستمع.
الوطن نبض، دم، وعد لا يسقط بالتقادم.
الوطن فكرة لا تموت، ولغة صدق لا تُزوّر.
وسنرفع راياته فوق كل خيانة،
سنضيء شموع الحقيقة في جبين الليل،
وسنصرخ باسم الحق حتى تصغي الصخور والأنهار والجبال.
لأن هذا الوطن، في النهاية،
لا يُقاس بمن يخذله،
بل بمن يبنيه في صمت.
قد تكون تلك الفئة قليلة جدًا،
لكن الوعي بها هو ما يُبقيها في حجمها الطبيعي:
صوت مرتفع… بلا جذور،
وحضور عابر… في وطن لا يُبنى إلا بأهله الصادقين.
وسنظل نحرسه، في الظل والضوء،
في الليل والنهار،
نغني، نكتب، نحلم، نحيا، ونحب…
لأن الوطن، مهما حاولوا،
لا يموت في القلوب.




