
ضربة قلم
أحد اليوتيوبر الفصيحين العرب خرج في فيديو قصير يحكي حكاية لاذعة في بساطتها، عميقة في رمزيتها: الحكاية ليست مجرد طرفة للترفيه، بل مرآة ساخرة لواقع نعيشه نحن أيضًا:
التقت مواطنة فرنسية بمواطن بريطاني وهما يجلسان صدفة جنبًا إلى جنب في قطار متجه من فرنسا إلى بريطانيا. لاحظ البريطاني ارتباك المرأة، فسألها قائلاً:
– “أراك متوترة، ماذا عندك؟”
أجابت الفرنسية بصدقٍ طفولي: إنها تحمل عشرة آلاف دولار فوق المبلغ المصرّح به.
وهنا تبدأ أولى علامات السذاجة: الثقة العمياء في الغريب، وهي خطيئة تتكرر كثيرًا، سواء عند الأفراد أو عند الشعوب التي تصدّق الشعارات بسرعة.
اقترح البريطاني أن يقتسما المبلغ حتى لا يضيع بأكمله، وطلب منها أن تمدّه بعنوانها، وهو ما فعلت. كم يشبه هذا المشهد ما نراه حين يقتسم بعض “الوطنيين”فتات الكعكة مع البسطاء تحت غطاء المصلحة العامة.
حين وصل الاثنان الحدود، مرّت المرأة دون تفتيش. وهنا ظنت أن الحيلة نجحت. لكن البريطاني التفت إلى الجمارك البريطانية قائلاً بصوت جهوري:
– “إن هذه المرأة تحمل خمسة آلاف دولار فوق المصرح، ومنحتني مثلها حتى أمرّ. أنا أحب وطني ولا يمكن أن أخونه.”
كلمات ضخمة، “الوطنية”، “الصدق”، “الإخلاص”، لكنها هنا استُعملت كسلاح طعنة في ظهر من وثقت به. كم من مغربي رفع شعار الوطنية بينما هو أول من ينهب صندوقها؟
الجمارك فتّشوا المرأة، فوجدوا ما قاله الرجل صحيحًا، فحجزوا المبلغين وشكروا المواطن البريطاني على “نبل أخلاقه الوطنية”. المشهد يذكّرنا بتلك اللحظة التي يكافأ فيها اللص المحلي على أنه “خادم صالح للوطن” لمجرد أنه فضح غيره، بينما حقيبته ممتلئة أكثر من حقيبة ضحيته.
وفي اليوم الموالي، دقّ البريطاني باب الفرنسية، ولما فتحت، انفجرت في وجهه غاضبة:
– “لم تخجل؟ يا لوقاحتك!”
ابتسم بهدوء، ومدّ لها مبلغ 15 ألف دولار قائلاً:
– “ها هو مبلغك ومبلغ الفوائد. كنت أحمل معي المبلغ الحقيقي في الحقيبة، وتعمدت إلهاء الجمارك حتى لا يضيع مالي المنفوخ.”
هنا يتضح الدرس الأكبر: الرجل لم يكن وطنيًا ولا صادقا، بل كان أذكى من الجميع، يحسن التمثيل، ويرتدي قناع الوطنية ليحمي نفسه ويزيد أرباحه.
الخاتمة:
أليس هذا حال الكثيرين عندنا؟ يتغنون بالوطنية، يلبسون ربطات عنق “الإخلاص”، ويجلسون أمام الكاميرات يتحدثون عن مصلحة الشعب، بينما في الخفاء يضخمون أرصدتهم، يلهون الرأي العام، ويتركون المواطن البسيط مثل تلك الفرنسية: مبهورة أولاً، منهوبة في الحدود ومتورطة في النهاية.
الوطنية ليست كلمة تُقال عند بوابة الجمارك، ولا شعارًا يُرفع في الحملات الانتخابية. الوطنية امتحان صامت، وميزان ثقيل، ينجح فيه من يصون المال العام لا من يحوله إلى حساباته الخاصة.
لك الله يا وطني.




