الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

داء السل يتسلل إلى الإدارات.. من يوقف هذا التهور؟

ضربة قلم

مما لا شك فيه أن الدول التي تحترم صحة شعوبها، لا تتعامل مع الأمراض المعدية بمنطق التهاون أو “دازت على خير”، بل بمنطق الوقاية قبل العلاج. فمجرد إصابة شخص بنزلة برد عادية كفيلة، في تلك البلدان، بأن تمنحه إجازة مرضية مؤقتة، ليس ترفًا ولا دلعًا، بل حمايةً لباقي الموظفين والمرتفقين، وقطعًا لسلسلة العدوى، قبل أن تتحول إلى موجة جماعية تُربك المؤسسات، وتُثقل كاهل المنظومة الصحية.

المنطق بسيط: شخص واحد مريض، قد يُسقط عشرة، والعشرة قد يُسقطون مؤسسة بكاملها. لذلك يُنظر إلى الغياب المؤقت كاستثمار في الصحة العامة، لا كتكاسل أو تهرب من المسؤولية.

لكن في المغرب، يبدو أن المعادلة، مقلوبة في كثير من الأحيان. فبدل أن يُشجَّع المريض على البقاء في منزله، يُدفع دفعًا إلى الحضور، إما خوفًا من اقتطاع الأجر، أو من نظرة الإدارة، أو حتى من ضغط الزملاء. وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة: موظف مريض وسط مكتب مكتظ، سعال هنا، عطاس هناك، وأكواب قهوة مشتركة… لتتحول الفضاءات المهنية والمقاهي، إلى بيئة خصبة لانتشار العدوى.

الأمر لم يعد يتعلق فقط بزكام عابر، بل بتزايد الحديث عن أمراض أكثر خطورة مثل داء السل، الذي عاد ليطفو على السطح في عدد من الفضاءات العامة. وهذا المرض، كما هو معلوم، لا ينتقل عبر الهواء، ما يجعل تجاهله أو التقليل من خطورته، نوعًا من المغامرة غير المحسوبة بعواقبها.

تخيل موظفًا مصابًا بالسل، يضطر للحضور يوميًا إلى عمله، يجلس بين زملائه، يستعمل نفس الفضاء، نفس الهواء، وربما نفس الوسائل. هنا لا نتحدث عن خطأ فردي، بل عن خلل في الثقافة الصحية ككل. لأن المسؤولية لا تقع فقط على المريض، بل على منظومة كاملة، لا توفر شروط الحماية، ولا تشجع على التصريح بالمرض، بل أحيانًا تُعاقب عليه بشكل غير مباشر.

في المقاهي، المشهد لا يقل خطورة. ازدحام، تهوية ضعيفة، وزبائن يتناوبون على نفس الطاولات والكؤوس، في غياب وعي حقيقي بأن بعض الأمراض لا تُرى بالعين، لكنها تنتقل بسرعة مذهلة. أما في الإدارات العمومية، فالأمر يتحول إلى مفارقة مؤلمة: فضاءات يُفترض أن تخدم المواطن، قد تتحول، دون قصد، إلى نقاط لنقل العدوى.

المشكلة أعمق من مجرد سلوك فردي؛ إنها مسألة وعي جماعي وسياسات عمومية. فحين يشعر المواطن أن مرضه سيكلفه دخله أو سمعته المهنية، فإنه يختار الصمت… ويختار معه نقل المرض للآخرين.

وختامًا، لم يعد الأمر يحتمل التأجيل أو التسويف، بل يفرض نفسه بإلحاح: المطلوب اليوم هو اعتماد فحوصات طبية دورية وإجبارية داخل مختلف الإدارات والمؤسسات، ليس بهدف التضييق على الموظفين، بل من أجل حماية الجميع، ووقف انتشار العدوى في مهدها، قبل أن تتحول إلى أزمة صحية يصعب التحكم فيها. فصحة الموظف هي من صحة المرفق، وصحة المرفق من صحة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.