دركي بين المطرقة الرقمية والسندان القضائي: من مكافحة التزوير إلى زنزانة عكاشة!

ضربة قلم
في واحدة من القضايا التي تعيد طرح السؤال الأبدي حول الحد الفاصل بين السلطة والمسؤولية، قرر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء إيداع دركي برتبة مساعد “أجودان” رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن عكاشة، بعد الاشتباه في تورطه في قضايا خطيرة تمسّ بالثقة في جهاز الدرك الملكي.
القضية التي شغلت الرأي العام لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة تحقيقات معمقة امتدت لسنة ونصف كاملة، باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، استعملت فيها أحدث الوسائل التقنية لكشف خيوط ما وُصف بـ”الملف الرقمي المعقد”.
التحريات، التي شملت مراقبة رقمية وتحقيقات ميدانية دقيقة، أفضت إلى ضبط أدلة رقمية معتبرة، تُثبت وفق المصادر القضائية ارتباط المشتبه فيه بعدد من الأفعال المجرّمة قانونًا، أبرزها التشهير والابتزاز ونشر أقوال تمس بالحياة الخاصة لأشخاص، إلى جانب تهم تتعلق بـ الجرائم المعلوماتية واستخدام وسائل التواصل لأغراض غير مشروعة.
غير أن المتهم -وهو دركي معروف بانضباطه سابقًا – رفض جميع الاتهامات الموجهة إليه رفضًا قاطعًا، معتبراً أن ما يجري لا يعدو كونه “انتقامًا مؤسساتيًا” على خلفية تدخلاته السابقة في ملفات حساسة.
فبحسب ما أفاد به دفاعه، فإن المعني بالأمر كان قد ساهم في تفكيك شبكات خطيرة متخصصة في تزوير جوازات السياقة ووثائق رسمية، كما أشرف على حجز نحو 25 شاحنة بجماعة الفضالات التابعة لإقليم بن سليمان، ما أدى آنذاك إلى متابعة موظفين ومسؤولين بمراكز تسجيل السيارات.
ومن هنا، يرى المتهم أن ما يجري اليوم هو ردّ فعل من أطراف تضررت من تدخلاته السابقة، لا أكثر ولا أقل.
لكن القضاء له منطقه الخاص، والفرقة الوطنية لا تتحرك إلا حين تكون الأدلة قوية والملف جاهزًا للعرض أمام العدالة. لذلك، سارعت القيادة العليا للدرك الملكي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية فورية، شملت توقيف راتب المعني بالأمر وتجريده من زيه الرسمي، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية النهائية، التي لا تزال متواصلة لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات وفقًا لما يقتضيه القانون العسكري والمدني معًا.
القضية، وإن بدت في ظاهرها مجرد ملف تشهير وابتزاز إلكتروني، إلا أنها في العمق تمتح من مناخٍ عام تعيشه بعض الأجهزة الحساسة في مواجهة تحديات العصر الرقمي، حيث يمكن لزرٍّ على لوحة مفاتيح أن يفتح ملفات بحجم مؤسسة كاملة، ويمكن لتسريب أو منشور أن يهزّ سمعة جهاز بأكمله.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الرأي العام:
هل نحن أمام دركي ضحية لعبة انتقام معقّدة؟
أم أمام رجل قانون تجاوز الخط الأحمر وتورط في متاهة رقمية لا مخرج منها؟
العدالة وحدها تملك الجواب، أما سجن عكاشة فقد فتح أبوابه في انتظار كلمة الفصل الأخيرة.




