الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

دفاتر الذاكرة: كنت بحّاراً لا يهدأ.. في كل ميناء امرأة، وفي كل ليلة حكاية

محمد صابر

هناك فترات في حياة الإنسان، تمرّ عليه كما تمرّ السحابة العابرة، لكنه لا ينتبه إليها وهي تعبر. يعيشها بكل تفاصيلها، يركض داخلها، يضحك، يسهر، ينفق، يحب، يغامر، يرتكب حماقات الشباب، ثم يستفيق ذات يوم، ليكتشف أن سنوات كاملة، قد مرت، وأنه كان يعيش داخل الزمن، من دون أن ينتبه إلى أن الزمن كان يعيش عليه.

مرت عليّ فترة أصبحت اليوم، بحكم الزمن، أقرب إلى الماضي البعيد. فترة اختلط فيها النهار بالليل، والليل بالنهار، حتى لم أعد أعرف أحياناً هل كنت قد خرجت من العمل أم ذاهباً إليه، وهل ما أعيشه هو يوم جديد، أم امتداد لليوم السابق.

كنت أقطع الكيلومترات بلا حساب. أتنقل من مكان إلى آخر، ومن مهمة إلى أخرى، ومن موعد إلى موعد، حتى أصبحت المسافات أحياناً، أكثر وعياً مني بما أفعله. هي، على الأقل، كانت تعرف كم قطعنا من الطريق، أما أنا، فكنت أقطع المسافات ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب، ولا لماذا ذهبت، ولا كيف سأعود.

كان النهار مخصصاً للشغل، أو هكذا كنت أعتقد. أما الليل، فكان له حساب آخر.

وما أدراك ما الليل!

كنت أبدأ الليل، وكأنني مقبل على يوم جديد، لا على نهايته. أعيش الليل بكل ما فيه، وأجلد راحتي جلداً، حتى لا أغمض عيني، إلا عندما يبدأ الخيط الأبيض في الظهور من الخيط الأسود.

وفي تلك اللحظة فقط، كنت أقول لنفسي:

“دابا خاصني ننعس شوية… حيث النهار قرب يبدا!”

ثم لا أنام إلا غفوة قصيرة، أستيقظ بعدها، وكأنني كنت في معركة، لا في فراش.

وبعد ساعات قليلة، أعود إلى الحياة من جديد، أو بالأحرى إلى ذلك الشيء الذي كنت أسميه حياة.

لم أكن أعرف كيف تمر الأيام. كنت أعيشها، كما يعيش المسافر محطة قطار لا يعرف فيها، كم بقي من الوقت، ولا متى سيغادر، ولا إلى أين سيصل.

كان كل شيء سريعاً.

الوقت سريع.

المال سريع.

الأصدقاء سريعون.

والحماقات… كانت الأسرع على الإطلاق.

كنت أعيش:

كالبحّار.. في كل ميناء امرأة.

وهي عبارة جميلة جداً، لكنها تصبح أقل جمالاً، عندما تبدأ في حساب الفواتير، والوقت، والذاكرة، وما تركته وراءك من علاقات وأصدقاء وأماكن، وتكتشف أن الإنسان في تلك المرحلة، كان يعتقد أنه يعيش الحياة، بينما كان في الحقيقة، يستهلكها بسرعة مخيفة.

لم أكن أعرف قيمة الوقت.

كنت أعتقد أن الوقت مثل المال، يأتي دائماً.

وكنت أتعامل مع المال، وكأنه شيء وُجد أساساً لكي يُصرف.

أما الأصدقاء، فكنت أعتقد أن الصديق الحقيقي لا ينتهي، وأن من عرفته اليوم، ستجده غداً، وبعد غد، وبعد عشر سنوات.

لكن الإنسان في شبابه، يكون أحياناً مصاباً بمرض خطير اسمه:

السخاء بلا حساب.

يسرف في وقته.

يسرف في ماله.

يسرف في ثقته.

يسرف في صداقاته.

ويسرف حتى في نفسه.

والمشكلة أن المريض بالسخاء، لا يعرف أنه مريض، إلا بعد أن يبدأ في استرجاع حساباته القديمة.

وحين يبدأ الحساب، يكتشف أن بعض الأشياء، لا يمكن استرجاعها.

المال قد يعود.

العمل قد يعود.

حتى بعض العلاقات قد تعود.

لكن الوقت؟

الوقت لا يعود.

والأجمل في الأمر، أن الشباب لا يخبرك بهذه الحقيقة. يتركك تعيش، ويتركك تصرف، ويتركك تسهر، ويتركك تضحك، ويتركك ترتكب الحماقات، ثم يختفي فجأة، ويتركك وحدك أمام السؤال:

“أين ذهبت كل تلك السنوات؟”

وأنا، في تلك المرحلة، كنت كثير التردد على منطقة عين الذئاب.

والاسم وحده، كان كافياً ليفرض على الإنسان شيئاً من الحذر.

لكنني، كما يبدو، لم أكن أملك الكثير من الحذر في تلك الأيام.

بل إنني كنت أرى أن عين الذئاب لا تخلو من الذئاب، ولا من الذنوب… والذنوب هنا جمع مؤنث سالم، حتى لا يقول لنا الجميل السي حسن إن صاحب الحكاية، لا يحترم قواعد اللغة، وهو نفسه لا يحترم حتى ساعات النوم!

وفي إحدى الليالي، كنت أقوم، بما يمكن تسميته اليوم تسخينات ما قبل السهرة.

وهي مرحلة مهمة جداً في حياة بعض الشباب.

قبل أن يقصد أحدهم ملهى ليلياً، يحتاج إلى بعض التهيئة النفسية.

لا يمكن للمرء أن ينتقل مباشرة من العمل إلى السهر، فهذا انتقال خطير على الجسم والروح والجيب.

لذلك، كنت في كاباريه، أو مكان من تلك الأماكن، التي كانت تعرف كيف تجعل الليل، يبدو أقصر مما هو عليه.

دخلت راقصة.

أدت فقرتها، ثم انتهت.

وبمجرد أن انتهت، بدأت تطوف بين الزبناء، تجمع الأوراق النقدية.

وكان المشهد غريباً ومضحكاً في الوقت نفسه.

فالرجل الذي كان قبل دقائق يتحدث عن الأزمة الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الحياة، كان يخرج المال من جيبه بمجرد أن تقترب منه الراقصة.

والذي كان قبل قليل يساوم سائق سيارة الأجرة على بضعة دراهم، كان فجأة يصبح كريماً إلى درجة تجعلك تتساءل:

هل تغير الرجل؟ أم أن الكرم عنده لا يظهر إلا في الأماكن التي لا ينبغي أن يظهر فيها؟

حتى ذلك الذي كان يرفض دفع ثمن موقف السيارات، ويقضي عشرين دقيقة، يبحث عن مكان مجاني، كان يجد نفسه، في تلك اللحظة، يفتح محفظته بسخاء.

وهنا أدركت أن الإنسان ليس بخيلاً دائماً.

أحياناً فقط يحتاج إلى المكان المناسب، والموسيقى المناسبة، والإنارة المناسبة، لكي يكتشف فجأة، أنه من أكبر المحسنين في العالم!

وفجأة، أخبرني أحد النادلين أن الراقصة متزوجة، وأن زوجها هو نفسه الرجل الذي يشتغل معها في تلك الساعات الليلية، كسائق شخصي. كان ينتظرها، وينقلها من مكان إلى آخر، ثم يعود بها إلى البيت.

وهنا، بصراحة، لم أندهش من كونها متزوجة، ولا من كون زوجها يعرف أنها راقصة… فهذا أمر واضح، ولا يحتاج إلى لجنة تحقيق ولا إلى محضر استماع! 

الذي أثار فضولي هو ذلك الدور الغريب الذي كان يؤديه الزوج في هذه الحكاية الليلية: زوجاً في البيت، وسائقاً في الطريق، وربما مديراً لوجستياً للحياة الليلية كاملة!

وبدأت، رغم أن الأمر لا يعنيني في شيء، أطرح على نفسي أسئلة لا داعي لها: هل كان يعود بها إلى البيت فعلاً بعد نهاية العمل؟ وهل كان البيت هو دائماً الوجهة الأخيرة؟ أم أنني كنت أمارس، كعادتي في تلك المرحلة، هوايتي المفضلة: التدخل في شؤون لا تعنيني، وصناعة سيناريوهات، لا أملك عليها دليلاً واحداً؟

ثم قلت لنفسي:

“آ مالك آ راسي؟ شغلك غير تشوف، تخلص الحساب، وتمشي… راه ماشي نتا اللي غادي تحل مشاكل الزواج ديال الناس!”

لكن الفضول، خصوصاً في سنوات الشباب، لا يحتاج إلى دعوة. يكفي أن يسمع الإنسان نصف معلومة، حتى يبدأ عقله في اختراع النصف الآخر… وربما اخترع معه قصة كاملة، وشخصيات إضافية، ونهاية لا علاقة لها بما وقع فعلاً!

لكن ما أعرفه جيداً هو أنني كنت في ذلك الوقت، أعيش كما لو أن العمر لا ينتهي، والمال لا ينفد، والوقت لا يمر، والناس لا تتغير.

وهذه هي أكبر كذبة يصدقها الإنسان في شبابه.

يعتقد أن كل شيء سيبقى كما هو.

ثم تمر السنوات.

وتكتشف أن الراقصة ربما تغيرت، والزوج ربما غير مهنته، والكاباريه ربما أغلق أبوابه، وعين الذئاب، ربما تغيرت ملامحها…

أما أنت، فتبقى تحمل في رأسك مشهداً قديماً، وتقول:

“واش بصح داز هاد الشي كامل؟”

نعم، داز.

وداز بسرعة.

والأغرب أنك كنت حاضراً فيه… لكنك، لم تكن تعرف، أنك تعيش ذكرياتك المستقبلية.

كنت تظن أنك تعيش اللحظة.

ولم تكن تعرف أن تلك اللحظة، ستتحول يوماً إلى قصة تحكيها، وتضحك عليها، وربما تخجل من بعضها، وتدافع عن بعضها الآخر، ثم تنتهي دائماً إلى نفس الخلاصة:

الشباب لا يعطيك فرصة لتفهمه عندما تعيشه.. ولا يعطيك فرصة لاسترجاعه عندما تفهمه!

لذلك، إذا سألتموني اليوم عن تلك المرحلة، سأقول لكم:

كنت أخلط النهار بالليل، والعمل بالسهر، والجد بالهزل، والإنفاق بالحساب المؤجل.

كنت أضرب الكيلومترات، ولا أعرف كم ضربت.

وكنت أعيش كبحّار، في كل ميناء امرأة.

لكنني، بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن أصعب ميناء، لم يكن عين الذئاب، ولا الكاباريه، ولا الملاهي الليلية…

بل كان ميناء الذاكرة.

لأنك تستطيع أن تغادر أي مكان.

لكن لا تستطيع دائماً، أن تغادر ما حدث لك فيه.

وهذا هو المشكل.

أن بعض الأماكن تنتهي عندما تغادرها…

أما بعض الليالي، فتبقى معك إلى الأبد.

حتى لو لم تعد تعرف:

هل كنت فعلاً تعيشها… أم أنها هي التي كانت تعيشك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.