دماء الكاميرا: طنجة وباقي المدن المغربية تُحاكم قتلة الحقيقة

ضربة قلم
لم يكن مساء الاثنين 11 غشت 2025 مجرّد تاريخ عابر، بل كان جرحًا مفتوحًا في قلب الوطن. في طنجة، المدينة التي تطل على البحر وكأنها تراقب العالم، تحولت ساحة سور “المعكازين” إلى بركان يغلي غضبًا بعد أن اخترقت رصاصات الاحتلال صدور الصحفيين الفلسطينيين أنس الشريف ومحمد قريقع، مراسلا قناة الجزيرة، اللذين قدّما حياتهما قربانًا للحقيقة.
خرج الناس من كل الأزقة، رجال ونساء، شباب وكهول، وكأنهم يسيرون في جنازة وطنية لا تنتهي. الأعلام الفلسطينية والمغربية ارتفعت كرايات عزاء، وصور الشهيدين تلمع تحت أضواء الشارع، فيما الهتافات تشق ليل طنجة الحار: لا صمت بعد اليوم، لا تطبيع مع القتلة.
كانت المسيرة أكثر من مجرد احتجاج؛ كانت محكمة ميدانية يحاكم فيها الشعب المغربي جريمة اغتيال الشهود على المجازر. كل خطوة كانت إعلانًا بأن دماء أنس الشريف ومحمد قريقع لن تُمحى من الذاكرة، وأن الكاميرا ستظل موجهة نحو غزة مهما حاول الرصاص إسكاتها.
طنجة في ذلك المساء لم تكن مجرد مدينة، بل كانت ضميرًا جماعيًا للأمة. ومن هنا، من هذه الشوارع التي رفضت الصمت، انطلقت الرسالة إلى كل مكان: فلسطين ليست قضية بعيدة، بل جرح في قلب كل بيت. والعار كل العار أن تمتد الأيدي للتطبيع مع من يطلق النار على الصحفيين والأطفال.
واليوم، ستواصل طنجة حراكها، كما ستواصل قلوب المغاربة نبضها لفلسطين، حتى لو حاول العالم أن يشيح بوجهه. فهنا، في أقصى الشمال، يُكتب تاريخ آخر: تاريخ لا يكتبه المنتصرون بالسلاح، بل الأحرار بالكلمة والهتاف.
كما اهتزت الدار البيضاء على وقع وقفة حاشدة بساحة الأمم المتحدة، رفعت فيها الأعلام والدموع في آن واحد، دعت إليها المبادرة المغربية للدعم والنصرة، قبل أن تكرر المشهد ذاته في قلب تطوان بساحة الخاصة، حيث ارتفعت الأصوات كأنها جدار صد في وجه الصمت. وفي فاس، احتشد المئات بشارع الحسن الثاني، في وقفة دعا إليها الائتلاف المغربي لدعم فلسطين، لتتحول المدينة إلى منبر اتهام مباشر للاحتلال.
في كل هذه المدن، لم يكتف المحتجون بالبكاء على الشهداء، بل حملوا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن اغتيال الصحفيين، وطالبوا بمحاكمة قادته أمام المحاكم الدولية، ووجّهوا نداءً حادًا إلى كل القوى الحية في المغرب: مقاطعة التطبيع ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب أخلاقي أمام دماء بريئة أُزهقت بلا رحمة.




