
ضربة قلم
هذه الصورة لراشيد الطالبي العلمي، الرجل الذي صعد في سلّم السياسة، بسرعة تفوق سرعة الضوء، فوجد نفسه فجأة رئيساً لمجلس النواب، وقيادياً حزبياً “قد الدنيا”، ووجهاً مألوفاً في بلاط القرار، حتى ليخيّل للناظر أن المخزن نفسه يقول له صباح الخير، قبل أن يقولها للشمس. مسارٌ حافل بالتحولات العجيبة، يجعل من سيرته الذاتية، أقرب إلى رواية من روايات الواقعية السحرية، حيث يتحول العداء إلى ودّ، والمطاردة إلى منصب، والشيك بدون رصيد إلى رصيد سياسي محترم.
يُحكى – والعهدة دائماً على الذاكرة الشعبية التي لا تنسى ولا ترحم – أن هذا الرجل كانت له أيامٌ رياضية بامتياز، يمارس فيها رياضة الجري فوق السطوح، ليس حباً في ألعاب القوى، ولا استعداداً للأولمبياد، بل هروباً من مطاردة رجال الشرطة القضائية بسبب الشيكات الخشبية، في زمن كانت فيه سجائر “ماركيز” تُشترى بالتقسيط، وكان التقسيط نفسه، يحتاج إلى تقسيط. ومن يومها، يبدو أن الرجل، تعلّم درساً مهماً: في المغرب، من يجري جيداً في البداية، قد يجلس لاحقاً على كرسي وثير في النهاية.
هذا “التجمعي المخلص”، كما يقدَّم في نشرات الحزب، وابتساماته الرسمية، سبق أن خرج على الشعب، قبيل الانتخابات بوعد من العيار الثقيل:
“نعدكم بـ2500 درهم لكل عاطل عن العمل.”
وعدٌ لو تحقق فعلاً، لكان المغرب قد تحوّل إلى جمعية خيرية كبرى، ولصارت وزارة المالية أشبه بصندوق زكاة عملاق. لكن ما وقع هو العكس تماماً: الوزيرة نادية فتاح وجدت نفسها مضطرة، للبحث عن الدراهم الضائعة يميناً ويساراً، في الجيوب، وفي الفواتير، وفي الدخان، وحتى في النبيذ، لأن الميزانية لا تُصنع بالتصفيق، بل بالضرائب. وهكذا تقلّص الوعد من 2500 درهم إلى 500 درهم، ثم تقلّص عدد المستفيدين من “كل العاطلين” إلى “قليل من قليل القليل من الكثير”، حتى صار الدعم الاجتماعي، أشبه بلعبة يانصيب: إن ربحتَ فرِحتَ، وإن خسرتَ، فذلك قَدَرك الاجتماعي.
المثير في سيرة الرجل، ليس فقط وعوده، بل دموعه أيضاً. فهذا السياسي، الذي لم نره يذرف دمعة، حين حصدت فيضانات آسفي أرواح مغاربة في الطين والماء والبرد، ولم نره يتأثر علناً بمآسي اجتماعية كثيرة، تمر على البلد مرور الكرام، اختار أن يبكي… لكن في المكان الخطأ، والزمان الخطأ، وعلى الشخص الخطأ.
بكى حين ترك عزيز أخنوش زعامة الحزب.
بكى، وكأن الحزب فقد أمه لا أمينه العام.
بكى، وكأن السياسة، صارت فجأة فيلماً هندياً طويلاً، يحتاج إلى موسيقى حزينة ومنديل ورقي.
والجديدة، المدينة التي شهدت هذا المشهد، صارت شاهدة على دموع لم تُذرف من أجل الغرقى، ولا من أجل العاطلين، ولا من أجل الأرامل، بل من أجل “الزعيم”. هنا يحق للمغاربة أن يتساءلوا:
هل بكى الطالبي العلمي لأن فراق أخنوش صعب؟
أم لأنه يخشى القادم الجديد الذي نزل على الحزب، كما ينزل المظليون في المناورات العسكرية، بأوامر عليا لا يُناقش فيها أحد؟
زعيم جديد، جاء من حزب ثانٍ، بلا ذاكرة تنظيمية داخل التجمع الوطني للأحرار، وكأن الحزب نفسه، صار محطة عبور، لا بيتاً سياسياً. ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يشعر الطالبي العلمي بالقلق:
هل نحن أمام حزب سياسي أم أمام شركة تُغيّر مديرها التنفيذي؟
هل القيادة تُنتخب أم تُعيَّن؟
وهل البكاء هنا حزنٌ سياسي أم خوفٌ إداري؟
المفارقة الساخرة، أن هذا الرجل الذي تمرّس طويلاً على تبديل الجلود السياسية، والذي عرف كيف ينتقل من صورة “الهارب” إلى صورة “رئيس المؤسسة التشريعية”، لم يستطع أن ينتقل من صورة السياسي البارد، إلى صورة الإنسان المتعاطف إلا عندما تعلق الأمر بالحزب ورئيسه. كأن الدموع عندنا، في بعض الأحيان، لا تنزل إلا بأوامر تنظيمية، ولا تُذرف إلا في المؤتمرات، ولا تُستعمل إلا لتزيين البلاغات الحزبية.
في المغرب، لا نبكي حين يغرق المواطن، بل حين يغادر الزعيم.
لا نحزن حين تمتلئ القوارب بالموتى، بل حين تفرغ الكراسي من أصحابها.
ولا نُقيم الحداد على الفقر، بل على نهاية مرحلة سياسية.
وهكذا، تصبح صورة الطالبي العلمي، وهو يغطي وجهه بيده، لا تعبيراً عن ألم اجتماعي، بل عن ارتباك حزبي:
ارتباك رجل تعوّد على زعيم واحد، فوجد نفسه فجأة أمام زعيم آخر.
ارتباك سياسين تعلّم الجري على السطوح، فصار الآن يخشى الانزلاق على السجاد الأحمر.
إنها صورة تختصر الكثير:
رجل بكى على أخنوش، ولم يبكِ على آسفي.
تألم من تغيير القيادة، ولم يتألم من تغيير حياة الفقراء.
واعتبر فراق الزعيم مأساة، بينما اعتبر مآسي الشعب، مجرد أخبار عابرة في النشرات.
وبين دموع الجديدة ومياه آسفي، مسافة سياسية شاسعة:
هناك، سقط المواطنون في الوحل.
وهنا، سقطت الدموع في القاعة المكيفة.
هناك، مات الناس بصمت.
وهنا، بكى المسؤول أمام الكاميرات.
هكذا تُصنع التراجيديا السياسية في المغرب:
الشعب يغرق… والسياسي يبكي على الحزب.




