
م-ص
تمضي الأيام في سباق صامت، ونمضي معها دون أن ننتبه. نركض خلف الوقت، أو لعلّه هو من يسبقنا، إلى أن نفاجأ بأننا كبرنا؛ دون أن يدري أحدُنا متى أصبح أبًا، ثم جدًّا. تمرّ الحياة، كساعة، قد تتباطأ عند لحظة عابرة، لكنها لا تتوقف أبدًا، وتتركنا نحمل من الزمن ما يفوق قدرتنا على الاستيعاب.
حين أتنقّل إلى الرباط، ينتابني شعور بفراغ لا يملؤه أحد. كثيرون ممن أحببتهم أخذتهم الأيام بعيدًا، رحلوا بلا عودة، غير أن أثرهم ظلّ مقيمًا في القلب. الأسماء التي ما زالت حاضرة في حياتنا، باتت تُعدّ على أصابع اليد، بينما أتأمل مدينتي، التي لم تعد صغيرة، مدينة امتزجت فيها القلوب الطيبةـ بأخرى أثقلها المرض والغيرة، حيث تتجاور البراءة، والخبث في الأزقة نفسها، وتغدو الذكريات المشتركة أثقل ما نحمله معنا.
تتكشف قيمة الإنسان حين يلوح الموت في الأفق، حين نصبح مجرد مراقبين، ننتظر دورنا في دورة الحياة، قريبًا كان أم بعيدًا، فلا فرق. عندها ندرك أن الجمال الحقيقي، لا يكمن في الفرص الضائعة وحدها، بل في اللحظات الصادقة، التي نتقاسمها مع من نحب؛ في مكالمة هاتفية هادئة، أو لقاء دافئ مع أناس يعرفون، قيمتنا ويبادلونا الودّ والاحترام.
ورغم ما تمنحه العزوبية من حرية، وما كان يمكن أن تتيحه الحياة من رحيل، اخترت البقاء في وطني. كانت المسؤولية، بما تحمله من إرث ثقيل، سبب هذا الاختيار. رفضت المغادرة، حتى وإن منحني العمر فرصة أخرى. فالأيام تمضي سريعًا، والفرص قد تذوب في صمت، لكن اختياراتنا هي التي ترسم ملامح مصائرنا. قد تمنح العزوبية حرية مؤقتة، لكنها لا تعفينا من واجباتنا تجاه من نحب؛ أن نعيش معهم، نشاركهم أعباء الحياة، ونلتقط معهم جمال اللحظة رغم قسوتها.
ورقة شجر تسقط على الرصيف، ساعة تتوقف لبرهة، والهواء يحمل عبق الذكريات، كأنه يهمس لنا: لقد مضى الوقت، ولم يبقَ منك، سوى ما غرسته في قلوب من أحببت. وهكذا نمضي، نتقدم في العمر، نصبح حراسًا للذاكرة، نودع دموعنا على صفحات الزمن، ونكتشف أن الحزن، في كثير من الأحيان، هو اللغة الأصدق التي نفهم بها الحياة.




