دورية واحدة… كفيلة بإشعال الحرب الباردة بين الداخلية والمالية

ضربة قلم
ليست كل الرسائل الإدارية مجرد أوراق تمرّ عبر السلال المعدنية للمكاتب. بعضها يتحول إلى قنبلة صوتية تُسمع أصداؤها في ممرات الوزارات، وبعضها -كما هو حال دورية وزير الداخلية الأخيرة- يصنع حالة غضب حقيقية وسط جهاز اعتاد أن يكون “هادئاً… ومنضبطاً”.
مراسلة عبد الوافي لفتيت، التي وُجّهت للولاة والعمال، لم تمرّ مرور الكرام داخل وزارة الاقتصاد والمالية. ليس لأنها مجرد تعليمات تقنية، ولا لأنها تتحدث عن الضرائب المحلية والتحويلات الإدارية، بل لأنها -بكلمات صريحة- بدت كأنها تسحب البساط من تحت أقدام موظفي المالية، وتمنح وزارة الداخلية موقع “المدبّر الأول” للجبايات المحلية، في وقت يرى فيه أطر المالية أنهم هم الأقدر والأجدر والأعلم بملفات الضرائب.
رسالة بلغة أوامر… بلا مجاملة
أول ما أغضب موظفي المالية هو لهجة الرسالة نفسها:
لغة توجيهية، حاسمة، وغير قابلة للنقاش.
لغة تُذكّر بعبارة: “التنفيذ فوراً، والتقرير لاحقاً”.
فالرسالة تحدثت بوضوح عن:
-
إطلاق 92 مصلحة لتحصيل الضرائب الجماعية تحت إشراف الداخلية.
-
تكوين 335 موظفاً من الجماعات، ليمسكوا بملفات لطالما كانت من اختصاص الخزينة العامة.
-
تسليم المباني، الوثائق، الملفات، البيانات، والأنظمة المعلوماتية… دون تأخير.
-
و“مراقبة العملية” بتقارير موقّعة ومضبوطة.
وهنا اشتعل فتيل الغضب:
كيف تنتقل اختصاصات تمسك بها وزارة المالية لعقود، هكذا، بجرة قلم؟
ومن سيضمن ألا يتحول تدبير الضرائب المحلية إلى فوضى جديدة؟
ثم لماذا لم يتم إشراك المعنيين الحقيقيين في القرار؟
أسئلة كثيرة… وصمت رسمي كبير.
المالية تعتبر الأمر “مسّاً بالمكانة”
في كواليس الوزارة، يتحدث الموظفون عن إحساس جماعي بـ“الاستهداف”.
ففي الوقت الذي يعتبرون فيه الجبايات المحلية جزءاً من اختصاصهم الطبيعي، تأتي المراسلة لتقول لهم بشكل غير مباشر:
“شكراً… انتهت مهمتكم، سنسلم المهام لغيركم.”
بعض الأطر ذهبوا أبعد من ذلك:
“الداخلية تريد أن تصبح وزارة جامعة: أمن، جماعات، استثمار، جبائيات، حتى الملفات التقنية الدقيقة تريد وضع يدها عليها.”
وهذا الاعتقاد ليس جديداً داخل وزارة المالية، لكنه اليوم يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً.
هل نحن أمام صراع حقيقي بين الوزارتين؟
ليس سراً أن التنسيق بين الداخلية والمالية لطالما كان حساساً.
لكن هذه المرة، تقول المصادر، إن الأمر لم يعد مجرد “اختلاف في المقاربات”، بل تقاطُع مباشر على النفوذ والاختصاصات.
فإدارة الجبايات المحلية ليست مجرد أرقام.
إنها موارد، سلطة، معطيات، شبكات، نفوذ محلي…
ووزارة الداخلية تعرف جيداً ماذا يعني الإمساك بهذه الخيوط.
أما المالية، فترى أن فقدان هذه الورقة يعني فقدان جزء من عمودها الفقري داخل الدولة.
موظفو المالية… بين الغضب والخوف
غضبهم لم يكن فقط لأن القرار مفاجئ، بل لأنه يحمل رسائل مبطنة:
-
تراجع دور الخزينة العامة
-
تهميش الكفاءات التقنية
-
التقليل من أهمية خبرة الموظفين الماليين
-
تحويل مسار التكوين والتدبير لوزارة أخرى
والأهم:
الخوف من أن تُحمَّل وزارة المالية مسؤولية أي اختلالات مستقبلية في تدبير الضرائب المحلية، رغم إخراجها من دائرة القرار.
الداخلية أمام امتحان شاق
حتى داخل الإدارات الجماعية، يتردد السؤال الكبير:
هل تمتلك الداخلية فعلاً القدرة على إدارة نظام جبائي معقد مثل هذا؟
فإطلاق 92 قسماً جديداً لا يشبه تعيين قائد أو باشا، بل يحتاج إلى:
-
خبرة جبائية
-
أنظمة معلوماتية دقيقة
-
مساطر محاسباتية
-
تقارير دورية
-
ضبط صارم للعمليات
-
وموظفين مؤهلين
فهل هذا الانتقال جاهز؟ أم أنه مجرد سباق سياسي لإثبات الهيمنة على ورش جديد؟
الخلاصة… دورية صغيرة بمفعول كبير
المراسلة التي ظهرت في الصورة لم تكن مجرد وثيقة إدارية،
بل شرارة كشفت عن توتر صامت بين وزارتين قويتين.
وما يُحكى في المكاتب اليوم يثبت أن الملف سيتطور،
وأن الغضب الذي يعتمل وسط موظفي المالية ليس عابراً،
بل قد يتحول إلى جدل وطني حول من يدير، ومن يشرف، ومن يملك الشرعية التقنية.
فالضرائب ليست مجرد أرقام…
إنها سلطة.
والسلطة، في المغرب كما في العالم كله، لا تنتقل بسهولة.




