الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

دولة على الهامش: حين تُدار الأوطان بعقلية ‘سير وتْسنى’

ضربة قلم

في وطنٍ تتعطل فيه العواطف الرسمية عند باب الوزارة، وتُربّى الرحمة داخل اللجان، لا عجب أن يتحول “دار العجزة” إلى مجرد عنوان على جدار أصمّ، وأن يُختزل “مأوى الأيتام” في تقارير تُحفظ في الأرشيف، لا تصلح حتى لتدفئة الضمير في ليلة شتاء باردة. في هذا البلد، كل شيء يمكن أن يُدار بلغة الورق والختم الرسمي… حتى القلوب!
يُولد الطفل في هذا الوطن مهدور العاطفة من المهد، لا يجد صدرًا يحتضنه إلا إذا كان مصحوبًا بـ”شهادة إدارية”، وتُودَع الأم العجوز في دار “الرعاية”، كما تُودع الملابس القديمة في صناديق التبرع: شكلاً من أشكال التخلص مع قليل من الشعور بالذنب.
الرعاية هنا لا تعني الرعاية. تعني: ميزانية سنوية تُناقَش في البرلمان، وصفقة تجهيزات فازت بها شركة “معروفة”، وطاقم موظفين عابرين بلا تكوين ولا إنسانية. الرعاية تعني أن نرمي بالعجوز الذي بنى هذا الوطن في غرفة برائحة الإهمال، ونطالب بأن يُمنح وسامًا بعد وفاته.
أما الطفل؟ فحدّث ولا حرج. يترعرع في مؤسسة تُعلّمه كل شيء إلا الحياة. ينام على سرير معدني، يأكل من طبق بلاستيكي، ويحلم بأن يُنادَى باسمه لا برقم ملفه. أما اللعب، فتُوزّع كفرصة نادرة مثل الكراسي في مؤسسة عمومية: موجودة نظريًا فقط.
يتخرج من مؤسسة الرعاية، ويُسلّم للدنيا كما تُسلَّم بضاعة في السوق: من دون تغليف، من دون تعليم عاطفي، من دون دروس أولى في الحب والاحتواء. يُترك في الشارع، وتُحمِّله الدولة مسؤولية انحرافه، مع أنها من صنعت خرابه الأول.
هكذا تسير الأمور. لا أحد يسأل عن تلك الدموع التي لا تجد خدًا تمسحه، ولا عن تلك الأيادي المرتجفة التي تنتظر زيارة لا تأتي، ولا عن الضمّة التي لم تحدث يومًا. لأننا ببساطة بلد لا يُؤمن إلا بالأرقام، حتى حين يتعلّق الأمر بالقلوب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.