ديربي الحلم… وديربي الصدمة

ضربة قلم
لنبدأ من الأعلى، من قمّة الكرة المغربية التي لا تهدأ: الرجاء والوداد، حكاية الشغف والجنون، التاريخ والضجيج، الملعب والجماهير، وأحيانًا… السياسة والإشهار.
في هذا السياق، يطل علينا هشام أيت مانة، رئيس نادي الوداد، الذي يبدو أنه وجد ضالته لا في الألقاب بل في البروباغندا، مستعينًا بأسماء لاعبين شارفوا على التقاعد، كمن يزيّن جدارًا قديمًا بصور نجوم سقطت نجوميتهم.
ولا ندري صراحةً هل الرجل يمارس دعاية انتخابية سابقة لأوانها، أم أنه فقط يتغنّى بلاعبين “فاتهم الركب” لكنه يصرّ على تسويقهم وكأنهم قادمون من كأس العالم!
المهم أن مباراة الديربي المنتظرة بين الغريمين ستنطلق بعد غدٍ، على الساعة الثامنة مساءً بملعب “دونور”، في مواجهة جديدة تثير كل الانفعالات الممكنة: من الحنين إلى الكراهية، ومن الأمل إلى الجنون.
وإن كان من الصعب إنكار أن الرجاء لم يظهر بعد بوجهه الحقيقي هذا الموسم، فإن التاريخ يذكّرنا بأن هذا الفريق عادةً ما “يُجنّ” حين يرى الأحمر في الميدان. إذ لا شيء يوقظ روح النسور مثل “الوداد” أمامهم.
أما هشام أيت مانة، فيبدو أنه لا ينام إلا على حلم واحد: هزم الرجاء… حلم ظل يطارده منذ توليه رئاسة فريق شباب المحمدية وبعده الوداد البيضاوي، دون أن يتحقق له هذا “الحلم السادي” حتى الآن.
أرقام تتكلّم… وإن بصوتٍ مبحوح
إلى حدود موسم 2022-2023 وما بعده، تشير الإحصائيات إلى أن الرجاء يتقدّم قليلًا في عدد الانتصارات بالدوري، بعدما سجّل 116 هدفًا مقابل 106 أهداف للوداد.
أما أقوى انتصار للنسور فكان بثلاثة أهداف دون رد، وهي نفس النتيجة التي حققها الوداد في مناسبة أخرى.
ويحفظ التاريخ أن أطول فترة عجز فيها الرجاء عن الانتصار على الوداد امتدت لأربع مواسم متتالية (من 1968 إلى 1972)، فاز خلالها الوداد مرتين وتعادلا في ست مواجهات.
بينما عاش الوداد هو الآخر خمس سنوات عجافًا (من 1973 إلى 1978)، لم يعرف فيها طعم الفوز على الرجاء، الذي فاز بثلاث مباريات وتعادل في ثمانٍ.
أما في كأس العرش، فيتساوى الفريقان تاريخيًا تقريبًا، إذ فاز كل واحد منهما في ست مباريات، فيما انتهت خمس مواجهات بالتعادل.
لكن الوداد يتفوّق في ذكرى قديمة من سنة 1956، حين انتصر على الرجاء بهدف وحيد في نهائي كأس الاستقلال الوحيدة التي أُقيمت آنذاك.
وبحسب أحدث الإحصائيات المسجّلة حتى أكتوبر 2025، خاض الفريقان نحو 42 مباراة رسمية مباشرة في مختلف المسابقات خلال السنوات الأخيرة، فاز الرجاء بـ 11 منها، والوداد بـ 10، فيما حُسمت 19 مواجهة بالتعادل.
الأرقام تقول إن التفوّق تاريخيًا ما زال يميل قليلًا لصالح النسور الخضر، لكنّ الفارق ضئيل إلى درجة لا تسمح لأي طرفٍ بأن ينام مطمئنًا فوق أمجاده.
الرئيس… واللاعبون على عكّازات
نعود إلى هشام أيت مانة، الذي يبدو أن فلسفته في التسيير تقوم على استقدام “الخبرة”، حتى وإن كانت تجرّ خلفها أنفاس التقاعد.
فالرجل يعتقد أن الأسماء القديمة تلمع أكثر في الكاميرا، وأن “القيمة السوقية” أهم من “اللياقة البدنية”.
لكن الواقع الميداني لا يرحم: الملعب لا يعرف المجاملات، ولا يقدّر “النيات الحسنة”.
من يركض يفوز، ومن يتغنّى بالخُطب يخسر.
قد يكون أيت مانة مؤمنًا بأن “البروباغندا” تصنع الانتصارات، لكن كرة القدم لا تصدّق الشعارات، ولا تنخدع باللافتات.
الجماهير قد تصفّق مرة، لكنها لا تُخدع مرتين.
وما لم يتحوّل الكلام إلى أداء، فسيظل الوداد يلعب تحت شعار: “النية زوينة… لكن النتيجة صفر”.
حين يتحوّل الديربي إلى امتحان للهوية
ديربي البيضاء ليس مجرّد مباراة، بل امتحان في الوطنية، في الكرامة، في الانتماء.
هو لحظةٌ يُقاس فيها من يحبّ الفريق ومن يحبّ الأضواء، من يلعب للقميص ومن يلعب للكاميرات.
ولذلك، كل مباراة بين الرجاء والوداد تشبه اختبارًا في الذكاء العاطفي للجماهير، وامتحانًا في الصبر للرؤساء، وعذابًا لمدربي الفريقين الذين يعيشون أسبوعًا كاملًا على أعصابهم.
الأربعاء القادم، حين تنطلق صافرة البداية بملعب “دونور”، ستعود المدينة لتتنفس كرة القدم، وسيخرج كلّ فريق ليثبت أنه صاحب الزعامة.
الرجاء سيحاول كعادته أن “يُجنّن” خصمه بالأداء والمهارة، والوداد سيحاول أن يردّ عليه بالواقعية والانضباط.
لكن بين الحلم والواقع، يبقى كل شيء ممكنًا، خاصة في مباراة عنوانها الدائم:
“من يضحك أخيرًا… يضحك أكثر، ولكن بحذر!”




