
ضربة قلم
في ذاكرة مدينة المحمدية، التي عُرفت قديماً باسم فضالة (Fedala)، تتجاور الأحياء القديمة، مع تلك التي وُلدت مع التوسع العمراني، خلال فترة الحماية الفرنسية. ومن بين هذه الأحياء يبرز حي ديور القراعي كواحد من الأحياء التي تحمل في اسمها قصة عمرانية واجتماعية، تعكس مرحلة مهمة من مراحل تشكّل المدينة الحديثة.

من القصبة إلى الامتداد العمراني
قبل ظهور هذا الحي، كانت القصبة تمثل النواة التاريخية لفضالة، أي المدينة القديمة التي تشكلت حول الميناء التقليدي والأسوار. ومع بداية القرن العشرين، وبخاصة بعد استقرار الإدارة الاستعمارية الفرنسية، بدأت المدينة تعرف تحولاً عمرانياً تدريجياً، حيث شرع المعمرون في توسيع المجال الحضري خارج حدود القصبة.
وفي هذا السياق ظهر ما كان يسمى آنذاك “المدينة الجديدة” (Ville Nouvelle)، وهي أحياء حديثة، خُطط لها وفق نمط عمراني أكثر انتظاماً مقارنة بالنسيج التقليدي للمدينة القديمة.

سياق البناء في تلك الفترة
خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، كانت فضالة تعرف تقريباً ثلاثة مجالات عمرانية رئيسية:
-
القصبة: وهي النواة التاريخية القديمة للمدينة.
-
المدينة الجديدة (Ville Nouvelle): أحياء حديثة أنشأها الفرنسيون وفق تخطيط حضري منتظم.
-
أحياء العمال: مساكن بسيطة ظهرت، لتنضاف إلى الحي الإسباني، قرب الميناء والأنشطة الاقتصادية المتنامية.
وفي هذا السياق العمراني يبدو أن ديور القراعي كان ينتمي إلى الصنف الثاني والثالث، أي المدينة الجديدة وأحياء العمال، حيث شُيّدت منازله الأولى، بسرعة وبمواد بسيطة من أجل إيواء السكان المرتبطين بالنشاط الاقتصادي للمدينة، خصوصاً مع تطور الميناء والأنشطة الصناعية.
زمن التأسيس
تشير الروايات المحلية والقرائن العمرانية إلى أن حي ديور القراعي شُيّد على الأرجح خلال فترة الثلاثينات أو بداية الأربعينات من القرن العشرين، وهي المرحلة التي بدأت فيها فضالة، تتحول تدريجياً من بلدة ساحلية صغيرة إلى مركز اقتصادي يرتبط بدينامية الدار البيضاء القريبة.
وقد جاء بناء الحي بعد حي القصبة، وأصبح مع مرور الوقت جزءاً من الامتداد الحضري، الذي اعتبره المعمر الفرنسي آنذاك ضمن المدينة الجديدة.
أصل الاسم: الطوب الذي أعطى اسماً لحي
يحمل اسم ديور القراعي في طياته رواية مرتبطة بطريقة البناء في تلك المرحلة. فوفق الرواية الحقيقية بين سكان المدينة، فإن المنازل الأولى للحي بُنيت باستخدام الأجور (الطوب) الذي كان يُصنع بقوالب خاصة يشبه شكلها القَرعة أو القارورة.
ومن هنا جاءت التسمية:
-
ديور: أي المنازل أو البيوت.
-
القراعي: نسبة إلى شكل قالب الأجور الذي يشبه القارورة.
وبذلك أصبح الاسم يعني ببساطة “بيوت القراعي”.
وهذا النمط من تسمية الأحياء، كان شائعاً في المغرب، حيث تُستمد أسماء الأحياء في كثير من الأحيان من:
-
شكل البناء،
-
نوع المواد المستعملة،
-
أو اسم شخص أو مهنة ارتبطت بالمكان.
حي شعبي في قلب التحول العمراني
في بداياته، كان الحي يتكون من منازل متقاربة بطابق سفلي ومساحات محدودة، وهو نمط سكني، يعكس طبيعة الأحياء العمالية، في تلك الفترة. ومع مرور السنوات، استقر في الحي، عدد من الأسر التي ارتبطت حياتها، بتطور المدينة الاقتصادي والاجتماعي، ليصبح تدريجياً جزءاً من النسيج الحضري المتكامل للمحمدية.
من ضيق البداية إلى فسحة التحول
غير أن التحول الأكبر الذي عرفه الحي، جاء بعد عقود من نشأته. فخلال فترة التسعينات بدأت العديد من منازل ديور القراعي، تشهد تغيراً عمرانياً واضحاً، حيث أضيفت طوابق جديدة فوق البنايات الأصلية، أو هدمت، فشيدت من جديد.
وقد سمح هذا التحول للسكان، بتوسيع فضاء العيش داخل بيوتهم، بعد سنوات من ضيق المساحة والاكتظاظ الذي كان يميز البيوت الأولى للحي.
الخلاصة التاريخية
يمكن القول إن حي ديور القراعي يمثل صفحة من تاريخ التوسع العمراني لمدينة فضالة-المحمدية:
-
ظهر الحي في فترة التوسع العمراني للمدينة.
-
يُرجح أن يكون ذلك خلال الثلاثينات أو بداية الأربعينات من القرن العشرين.
-
جاء بناؤه بعد حي القصبة، وأصبح لاحقاً، جزءاً مما سماه المعمر الفرنسي آنذاك المدينة الجديدة.
ومع مرور الزمن، عرف الحي تحولات عمرانية واجتماعية متعددة، إلى أن جاء عقد التسعينات ليمنح منازله متنفساً جديداً، حين خرجت من ضيق المنزل السفلي الواحد إلى فسحة الطوابق المتعددة، وكأن الحي بأكمله تنفّس الصعداء بعد عقود من الاكتظاظ.
كما أن حي ديور القراعي، لم يكن مجرد فضاء سكني، نشأ في سياق التوسع العمراني لمدينة فضالة، بل تحول مع مرور الزمن إلى مشتل للطاقات والكفاءات التي بصمت حضورها في مجالات متعددة داخل المغرب وخارجه.
فقد خرج من هذا الحي مثقفون ومحامون وصحفيون وأساتذة، كما برز منه رجال أعمال وفنانون ورياضيون ولاعبو كرة قدم ومدربون، إضافة إلى أطر عليا في مؤسسات الدولة. ومن بين أبناء الحي من تقلد مسؤوليات مهمة مثل مفتش عام بوزارة المالية، وبرلماني في هولندا، ورئيس قسم الشؤون الداخلية بولاية الرباط-سلا.
كما يضم سجل أبناء الحي عناصر من أسرة الأمن الوطني بمختلف الرتب، من بينها رتبة مراقب عام/ مدير ديوان المدير العام للأمن الوطني، فضلاً عن عدد كبير من الموظفين والتجار والمستخدمين الذين ساهموا بدورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
وهكذا لم يكن ديور القراعي مجرد حي نشأ من طوب بسيط يشبه القارورة، بل كان أيضاً فضاءً إنسانياً أنجب أجيالاً متعددة من الكفاءات التي شقت طريقها في مجالات الفكر والإدارة والاقتصاد والرياضة، حاملة معها جزءاً من ذاكرة هذا الحي العريق.





