
ضربة قلم
في المحمدية، المدينة التي عرفت وجوهًا متعددة بين “فضالة” الأمس وحاضرة اليوم، يقف حي ديور القراعي كصفحة مفتوحة من دفتر تاريخ عمراني واجتماعي معقّد، يختلط فيه زمن المعمر الفرنسي بزمن “النوايل”، وتتعانق فيه ذاكرة البسطاء مع حسابات الشركات الكبرى، وتُروى فيه الحكايات همسًا كلما هبّت ريح إشاعة.
حين كان الطوب يحكي
تأسس حي ديور القراعي خلال الحقبة الاستعمارية، في زمن كانت فيه المدينة تُرسم بالمسطرة الفرنسية، وتُشيَّد وفق حاجيات الإدارة الاستعمارية ومصالحها. لم يكن الحي آنذاك مجرد تجمع سكني، بل كان جزءًا من رؤية عمرانية وظيفية، تعتمد البساطة والاقتصاد في الكلفة، وهو ما يفسر تشييده بآجور ذي قوالب خاصة، أشبه بقنينة أو قارورة، ما جعل الاسم يلتصق به: “ديور القراعي”، كأن الجدران نفسها تشهد على طريقة بنائها.
في ساحة عُرفت باسم سيدي موسى، تتفرع أزقة تحمل أسماء قياد: بوشعيب، العايدي، التهامي… أسماء قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تفتح باب التساؤل: هل كانوا من المخلصين للإدارة الاستعمارية؟ أم من رجال المرحلة الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة السلطة الاستعمارية وسندان المجتمع المحلي؟
التاريخ الرسمي قليل الكلام في هذا الباب، والتاريخ الشفهي أكثر جرأة، لكنه بدوره محكوم بالعاطفة والانطباع. والحقيقة، كما هي العادة، تقف في مكان ما بينهما.
زنقة سوس… امتداد الروح
جزء مهم من زنقة سوس يُحسب على نفس النسيج العمراني والاجتماعي للحي. هناك، تختلط رائحة الخبز البلدي بصوت الأطفال، وتتجاور الذاكرة مع التحولات. فالحي، رغم بساطة هندسته، لم يكن يومًا هامشيًا، بل كان مسرحًا لحياة كاملة: أعراس، جنازات، خصومات صغيرة، ومصالحات أكبر.
من المعمر إلى الشركات الوطنية
بعد الاستقلال، دخلت الملكيات في المغرب مرحلة إعادة ترتيب. ظهرت شركات عقارية كبرى، من بينها شركة ديار المدينة، المحسوبة على مجموعة صندوق الإيداع والتدبير، المؤسسة سنة 1959 في سياق بناء الدولة الوطنية الحديثة.
اقتنى غالبية سكان ديور القراعي منازلهم في إطار الملكية الفردية من هذه الشركة. وهنا يطفو سؤال ظل يتردد في المجالس الخاصة: كيف آلت هذه الدور إلى الشركة؟
هل كانت ضمن ممتلكات الدولة المسترجعة بعد الاستقلال؟
هل جرى تفويتها في إطار تسوية عقارية شاملة؟
أم كانت جزءًا من رصيد عقاري انتقل من يد المعمر إلى يد مؤسسات عمومية وطنية؟
الوثائق الرسمية وحدها تملك الجواب الدقيق، لكن الثابت أن السكان اليوم ملاك، يحملون رسوما وملكيات قانونية، وليسوا مجرد شاغلين عابرين.
إشاعة… وأطماع
في السنوات الأخيرة، خرجت إلى العلن إشاعة ثقيلة الوطأة، مفادها أن حي ديور القراعي، الذي تعود ملكيته لأصحابه في إطار اقتنائهم من شركة ديار المدينة، ومعه حي ديور الكرم، بل وحتى السوق القديم، تُصنَّف ضمن أملاك تابعة لجماعة المحمدية، وأن هذه الأحياء قد تكون معنية بمسطرة نزع ملكية شاملة، تمهيدًا لـ“إعادة الهيكلة” أو فتح الباب أمام مشاريع استثمارية كبرى.
إشاعة لم تكتفِ بالانتشار، بل تسللت إلى البيوت، وأثارت قلقًا مشروعًا لدى السكان، لأنها لا تتحدث عن بقع أرضية فارغة، بل عن أحياء نابضة بالحياة، وعن ملاك يتوفرون على رسوم وملكيات قانونية، وعن تاريخ عمراني واجتماعي يمتد لعقود.
غير أن التداول الواسع لمثل هذه الأخبار لا يجعلها حقيقة، ما لم تسندها وثائق رسمية أو قرارات منشورة وفق المساطر القانونية المعمول بها في قضايا نزع الملكية، التي تخضع لإجراءات دقيقة، تبدأ بإعلان المنفعة العامة ولا تنتهي إلا بتعويض محدد ومساطر قضائية واضحة.
وبين الإشاعة والواقع، تبقى الكلمة الفصل للوثيقة، لا للهمس.
إشاعة ثقيلة، لأنها لا تتعلق بجدران، بل بذكريات وأجيال.
ومع ذلك، فإن الإشاعة لا تولد من فراغ. في مدن تتغير بسرعة، حيث ترتفع قيمة العقار، وحيث تتحول الأحياء القديمة إلى “فرص استثمارية”، يصبح كل متر مربع مطمعًا.
ولو كان الخيار لبعض السماسرة الجدد المعرفين لدى سكان المدينة، لباعوا حتى الهواء، بل لعرضوا السكان أنفسهم في المزاد العلني، تحت عنوان: “قطعة أرض مرفوقة بذكرياتها”.
ديور القراعي… أكثر من طوب
الحي ليس مجرد بيوت آجورية بقوالب قارورة.
هو ذاكرة مقاومة صامتة.
هو جيل اشترى بيته بالتقسيط، وربّى أبناءه في غرف ضيقة، لكنها مليئة بالكرامة.
هو نساء غسلن السلالم صباحًا، ورجال عادوا مساءً متعبين من الميناء أو المعامل.
هو مدينة صغيرة داخل المدينة.
بين الماضي والمستقبل
اليوم، يقف ديور القراعي أمام سؤال التحول:
كيف يحافظ على روحه دون أن يتحول إلى ضحية التهميش؟
كيف يُرمَّم دون أن يُقتلع؟
كيف يُحدَّث دون أن يُمسح؟
الجواب ليس في الهدم، بل في إعادة الاعتبار.
ليس في الإشاعة، بل في الوثيقة.
ليس في الطمع، بل في التخطيط الرشيد.
فليطمئن سكان ديور القراعي، ومعهم سكان ديور الكرم والسوق القديم:
المدينة ليست غنيمة.
والأحياء ليست فرائس.
والتاريخ، مهما حاول البعض طمسه، يبقى محفورًا في الآجور… حتى لو كان على شكل قارورة.
وفي المحمدية، كما في الحياة، ليست كل “قريعة” قابلة للكسر.




