الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ديور بزز بالمحمدية: حكاية اسم وذاكرة اقتحام

ضربة قلم

لم تكن تسمية حي “ديور بزز” بالمحمدية وليدة نزوة لغوية، أو نكتة شعبية عابرة، بل خرجت من رحم مرحلة تاريخية دقيقة، تداخل فيها السكن بالسياسة، والحاجة بالاحتجاج، والمدينة بالهامش. هو اسم قاسٍ في لفظه، صريح في دلالته، ويحمل في طياته، قصة مدينة كانت تُبنى من الأسفل، قبل أن تُرسم من الأعلى.

قبل الصفيح… كانت النوايل

قبل أن تعرف المحمدية، ما سيُسمّى لاحقًا بأحياء الصفيح، عرفت النوايل. وهي مساكن بدائية، شُيّدت من القصب والخشب ومواد بسيطة، واحتضنت أوائل الوافدين على المدينة: عمال، حرفيون، وباحثون عن موطئ قدم قرب الميناء، أو المعامل، أو أوراش البناء.

النوايل لم تكن في بدايتها، علامة فقر حضري، كما نفهمه اليوم، بل كانت مرحلة انتقالية، تعكس مدينة في طور التشكل، وساكنة تنتظر الاستقرار. وقد وُجدت هذه النوايل في أكثر من نقطة داخل المحمدية، من بينها حي البرادعة، الذي يُعد من أقدم الأحياء التي احتضنت هذا النمط من السكن، إضافة إلى محيط بناية الدريجات، درب مراكش، مسجد مالي، وملعب العالية.

مدينة تُبنى… وسكان خارج الحساب

مع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، بدأت الإدارة الاستعمارية، تفكر في توسيع المدينة، وفق منطقها الخاص. إسمنت، بلوكات، شوارع مستقيمة، لكن دون إدماج فعلي للساكنة، التي كانت تعيش تحت النوايل. هكذا وُلد التناقض: مساكن تُبنى، لكن ليس لمن يسكنون المدينة فعليًا.

في هذا السياق، تم تشييد خمس وحدات سكنية بحي لابيطا، بشارع تادلة بالمدينة السفلى. خمس “بلوكات” إسمنتية، تضم أكثر من 160 دارًا، بمساحات صغيرة، لكنها كافية، لتكون حلمًا، بالنسبة لمن عاشوا سنوات تحت النوايل.

الاقتحام كفعل وجود

عندما اكتملت الأشغال، لم ينتظر سكان النوايل، قرارات التخصيص ولا لوائح المستفيدين. اقتحموا المنازل ودخلوها بالقوة. لم يكن ذلك فعل فوضى، بقدر ما كان فعل ضرورة واحتجاج صامت. العزاب اقتسموا دارًا واحدة بين اثنين، والمتزوجون، في حالات كثيرة، تشاركت أسرتان مسكنًا واحدًا.

لم تكن هناك وثائق، ولا مفاتيح رسمية، ولا عقود. كان هناك فقط منطق واحد: هذه بيوت بُنيت في مدينتنا، ونحن أولى بها من غياب الدولة أو حسابات المعمر.

ومن هنا جاءت التسمية الشعبية: “ديور بزز”.
بيوت أُخذت اقتحاما، لا تزويرًا ولا احتيالًا، بل بقوة الواقع وشرعية الحاجة.

الاسم كذاكرة لا كوصم

مرّت السنوات، واستقر الناس. تكاثرت الأسر، وُلد الأطفال، كبروا، وتحوّل الحي من فضاء مؤقت، إلى نسيج اجتماعي متماسك. ومع الزمن، بدأ السكان يسوّون أوضاعهم، فيما بينهم بطرق حبية: من اشترى نصيب الآخر، من وسّع، من أصلح، ومن بنى فوق القديم.

ورغم كل التحولات العمرانية، بقي الاسم: ديور بزز في ذاكرة الساكنة.
لم يُمحَ، ولم يُستبدل في ألسنة الناس، لأنه لم يكن شتيمة، بل شهادة تاريخ. اسم يذكّر بأن هذا الحي، لم يُمنح، بل انتُزع.

من الأفق إلى العمود

مع تعاقب العقود، عرف الحي تحوّلًا جديدًا. بيوت أفقية صارت عمارات صغيرة، طوابق ارتفعت، وأصبحت “ديور بزز” حيًا قائمًا بذاته، يفرض حضوره داخل المدينة، لا باعتباره حيًا هامشيًا، بل كجزء من ذاكرة المحمدية الحية.

الخلاصة: حين تسبق التسمية الوثيقة

قصة “ديور بزز” ليست فقط قصة اسم، بل قصة مدينة تفاوضت مع ساكنتها بعد فوات الأوان.
فالحي سُمّي قبل أن يُعترف به، واستقر قبل أن يُسوّى، وتغير اسمه إلى حي لابيطا.

وفي المحمدية، كما في مدن كثيرة، لا تكشف أسماء الأحياء فقط عن الجغرافيا، بل عن التاريخ الاجتماعي غير المكتوب… ذلك التاريخ الذي لا نجده في الأرشيفات، بل في أفواه الناس، وفي أسماء الأماكن، وفي ذاكرة “ديور بزز”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.