الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

رؤساء الجماعات بين التوقيف والتخفي: لماذا لا تتحرك المساطر وتُحسم المحاكمات؟

ضربة قلم

في المغرب، لا أحد يُنكر أن الفساد المحلي ليس شائعة. هو واقع نعيشه، ونشمه، ونراه في الأرصفة المكسّرة، والمدارس المهجورة، والصفقات التي تُمنح بـ”الابتسامة العريضة” بدل دفتر التحملات. لكن ما يُثير الحيرة، أو بالأحرى السخرية، هو هذا التباطؤ الغريب في تحريك المساطر ومحاسبة من تم توقيفهم أو “الإشارة إليهم بالبنان”، من رؤساء جماعات ومنتخبين سابقين كانوا حتى وقت قريب يتصدرون الصور التذكارية لحملات “التنمية”.
الكل يعرف الأسماء. بعضها يُردد في المقاهي أكثر مما يُردد في الجلسات الرسمية، والبعض الآخر صار له لقب شهير في وسائل الإعلام: “مول الصفقات”، “زعيم الرخص”، “قاهر الصندوق الجماعي”. ومع ذلك، حين يُعلن عن توقيف أو استدعاء للتحقيق، ننتظر بشغف أن تتحرك العدالة… لكن فجأة، يدخل الملف في نوم عميق، وكأن القاضي نفسه لم يجد في القضية ما يُقلقه، أو أن الملف استلقى على سرير الانتظار وقال: “صحتي لا تسمح بالمسطرة!”.
لماذا؟
قد يُقال لك أن العدالة تأخذ وقتها، وأن التحقيقات معقّدة. جميل، لكن حين يتعلق الأمر بمواطن بسيط تأخر في أداء فاتورة الماء، لا نحتاج إلا لثلاث دقائق وربع لتصدر حكمًا بالغرامة والقطع. أما حين يتعلق الأمر بمليارات تبخرت، وأراضٍ وُزعت كالحلوى في موسم الأعراس، وأملاك جماعية اختفت كما يختفي الضمير من بعض المؤسسات… فإن العدالة ترتدي حذاء السلحفاة، وتبدأ في تفكيك “DNA” الوثائق.
بل الأدهى أن بعض “الموقوفين” يعودون للظهور فجأة، وكأنهم خرجوا من دورة تقشير وجه، لا من تحقيق قضائي! تراهم في الأعراس، في الصور، في المهرجانات، بل أحيانًا في صفقات جديدة بنفس الهدوء والبرود، كأن شيئًا لم يكن. فهل هي براءة مُعلنة؟ أم مجرد ثقة في أن الملفات ستبقى ملفات… إلى أن يتقاعد القاضي، أو يُنسى المُشتكي؟
الفساد في المغرب لا يخاف من القانون، بل يخاف من تطبيقه. هناك قوانين صارمة، لكنّها تُنفذ فقط حين يكون “المفسد” بدون ظهر، أو حين تتغير الموازين. أما البقية، فهم في مراكزهم… أو في صمتهم المريح، يراقبون الزمن حتى يُطوى الملف كما طُويت آلاف الأوراق قبلها.
ولعل أبرز ما يحير الرأي العام:
كيف يعقل أن يتأخر القضاء في الحسم في ملفات فيها تقارير من المفتشيات، وشكاوى من الساكنة، وتسريبات تُنشر يوميًا، ومع ذلك، لا استدعاء جديد، ولا تسريع للإجراءات، ولا حتى بلاغ يشرح سبب الصمت؟
ربما لأن القضية أكبر من مجرد ملف قضائي.
ربما لأن بعض الملفات مرتبطة بتوازنات سياسية، أو بـ”رباعات” لا يُمسّون إلا بموافقة من الأعلى. وربما لأن العدالة -كما يقال- عمياء، لكنها في بعض الأحيان تتناوم عن قصد… حين يكون “المتهم” يملك مفاتيح خزنة انتخابية أو شبكة من العلاقات تمتد من الجماعة إلى العاصمة.
في النهاية، حين تسأل: لماذا لا تتحرك المساطر؟
قد يُقال لك: “دَعِ القانون يأخذ مجراه!”
لكننا نعلم أن المجرى، في كثير من الأحيان، يمر من أنفاق مظلمة، وحقول ألغام سياسية، وشلالات من التأجيلات.
والنتيجة؟
ثقة مهدورة في المؤسسات، ومفسدون بألقاب رسمية، ومواطنون لا يملكون إلا التفرّج… وابتلاع الغضب على جرعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.