الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

رامونيه في المغرب.. حين تعود الذاكرة النقدية لتُحرج الحاضر

ضربة قلم

ليست استضافة جريدة “البيان” للمفكر إيغناسيو رامونيه مجرد لقاء إعلامي عابر، بل لحظة ثقافية كثيفة الدلالات، تستدعي تاريخاً من الأسئلة المقلقة أكثر، مما تحتفي بالأجوبة الجاهزة. فالرجل لا يدخل من باب الصحافة فقط، بل من بوابة الفكر الذي ظل، لعقود، مشتبكاً مع السلطة، واللغة، وآليات الهيمنة.

رامونيه ليس اسماً عابراً في سجل الصحافة العالمية، بل أحد الذين أعادوا تعريفها كفعل مقاومة. وقراءة مساره دون استحضار المغرب، تحديداً طنجة حيث تشكّلت ملامحه الأولى، تظل قراءة ناقصة. هنا، في هذا البلد، لم يكن مجرد عابر سبيل، بل شاهداً ومشاركاً في دينامية ثقافية، صنعت جزءاً من وعيه النقدي. اشتغل بالتدريس في سلا والرباط، واحتك مبكراً بنخب فكرية كانت ترى في الثقافة أفقاً للتحرر لا زينة للنخب.

ضمن هذه الدينامية، نسج رامونيه علاقة فكرية عميقة مع الراحل نور الدين الصايل، لم تكن مجرد صداقة، بل مشروعاً ثقافياً مشتركاً. كلاهما آمن بأن السينما ليست شاشة للفرجة فقط، بل مختبراً لتفكيك المجتمع. ومن خلال الأندية السينمائية، ساهم هذا الثنائي -كل من موقعه- في بناء وعي بصري نقدي لدى جيل كامل، في زمن كانت فيه الصورة تُقاوم بالصورة، والفكرة بالفكرة.

غير أن لحظة 1984 ستظل الأكثر دلالة في علاقة رامونيه بالمغرب، لا لأنها كانت لحظة اعتراف، بل لأنها تحولت إلى لحظة مفارقة. ففي مقال نشره في جريدة لوموند، لم يفعل سوى الإشادة بجرأة المجلات الثقافية المغربية المستقلة، وبدورها في توسيع هامش النقاش العمومي. لكنه، دون أن يقصد، كشف هشاشة ذلك الهامش.

ففي سياق سياسي ،كانت تتحكم فيه قبضة إدريس البصري، تحولت تلك الإشادة إلى ذريعة للمنع. أربعة منابر ثقافية وازنة أُسكتت دفعة واحدة: “الثقافة الجديدة” لمحمد بنيس، “البديل” لبنسالم حميش، “جسور” لعبد الحميد عقار، و”المقدمة” لعبد الرحيم البوعزاوي. لم يكن القرار قانونياً، بقدر ما كان سياسياً بامتياز، في لحظة اختلط فيها الخوف من الكلمة بالخوف من وعيٍ يتشكل خارج القوالب الرسمية.

ذلك المنع لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزءاً من زمن كامل عُرف لاحقاً بـسنوات الرصاص، حيث كانت الثقافة تُراقَب بقدر ما تُنتج، والصحافة تُقاس بمدى صمتها لا بجرأتها. وهنا، بالضبط، تتضح مفارقة رامونيه: مفكر يحتفي بحرية التعبير، فيتحول احتفاؤه نفسه إلى مبرر لقمعها.

أما تجربته داخل لوموند ديبلوماتيك، فهي قصة أخرى تُدرَّس أكثر مما تُروى. حين تولى قيادتها سنة 1990، لم يرث مجرد صحيفة، بل مشروعاً قابلاً لإعادة التشكيل. وبذكاء استراتيجي، حوّلها من ملحق نخبوي إلى منصة عالمية للفكر النقدي، تفكك خطاب العولمة بدل أن تروّج له.

هو من صاغ مفهوم “الفكر الوحيد” (La pensée unique)، ذلك المفهوم الذي فضح به هيمنة النيوليبرالية على السياسات والخيال معاً. لم يكن ينتقد اقتصاداً فقط، بل طريقة تفكير كاملة تُقصي البدائل وتُسوق نفسها كقدر محتوم. ومن داخل الجريدة، بنى شبكة دولية، جعلت منها صوتاً متعدد اللغات، لكنه موحّد في موقفه: الانحياز للإنسان ضد السوق.

في 1997، كتب افتتاحية مفصلية دعت إلى فرض ضريبة على المضاربات المالية، لتتحول الفكرة إلى شرارة ميلاد أتاك، إحدى أبرز الحركات المناهضة للعولمة. ومن هناك، لم يعد رامونيه مجرد صحفي، بل أحد مهندسي خطاب عالمي يقول ببساطة: “عالم آخر ممكن”.

تكوينه على يد رولان بارت لم يكن تفصيلاً عابراً. لقد حمل معه أدوات السيميولوجيا إلى الصحافة، فصار الخبر عنده ليس ما يُقال فقط، بل كيف يُقال، ولماذا يُقال. في كتابه “طغيان الاتصال”، تنبأ بما نعيشه اليوم: فائض معلومات يُنتج جهلاً من نوع جديد، حيث لا تُقاس الحقيقة بوجودها، بل بقدرتها على الانتشار.

رامونيه لم يدافع عن استقلالية الصحافة كشعار، بل كمعركة. أسس نموذجاً مالياً عبر “أصدقاء لوموند ديبلوماتيك”، ليحمي الجريدة من الابتزاز الإعلاني، في زمن كانت فيه أغلب المنابر تنحني أمام السوق. وهكذا، لم تكن “لوموند ديبلوماتيك” مجرد صحيفة، بل ما يشبه “جبهة ثقافية” عابرة للحدود.

اليوم، حين يعود رامونيه إلى المغرب، لا يعود كضيف، بل كمرآة. مرآة تُعيد طرح السؤال القديم الجديد: ماذا بقي من ذلك الحلم الثقافي الذي كان يرى في الكلمة فعلاً للتحرر؟
وهل ما زلنا نملك الجرأة، لنقول إن الصحافة يمكن أن تكون موقفاً… لا مجرد مهنة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.