الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

رجال التعليم بين طبشورة القسم وكريدي الزواج: عزوبية بحكم الواقع لا القناعة!

ضربة قلم

آه يا زمن السبعينات، زمن “البيريمي” و”المنحة” التي كانت تقطر عسلا، حتى وإن تأخرت لثلاثة أشهر كاملة، كان الطالب المغربي ينام قرير العين، مرتاح البال، من غير أن يكون حافي القدمين وبرضى وكرامة. كانت المنحة تأتي وهو في قاعة المحاضرات، وقد تخرج من الجامعة قبل أن تنفذ… وكان فيها ما يكفي لحياة شبه ملكية: يكتري بيتا، يشتري الكتب، يلبس “الماركة”، و… يتزوج! نعم، يتزوج وهو لا يزال بين دفتي “ابن خلدون” و”عبد الله العروي”. كانت حفلات الزفاف تتم بنظام “دبر راسك”، والقفطان كان يمكن أن يُستعار من جارة طيبة، والوليمة تختصر في دجاجة بلدية وشاي منعنع، والباقي على الله وعلى “الصواب ديال الناس”.

نعم، لم تكن السبعينات كلها عسلا، فقد كانت أيضاً سنوات الرصاص، حين كان الحلم يُحاصر أحياناً، والكلمة تُوزن بميزان الخوف، لكن رغم ذلك، كان للأمل فسحته، وكان للطلبة متسع ليحلموا، يناقشوا، ويؤمنوا بأن المعرفة باب من أبواب الحرية.

أما اليوم، فالمنحة؟ المنحة أصبحت من فصيلة الكائنات المنقرضة. وإن وُجدت، فهي بحجم “حبة أسبيرين” في مواجهة صداع نصفي من نوع مزمن. الطالب اليوم، كي “يْصوّر” وجبة غذاء، عليه أن يشرح سيرة حياته للبقال، ويؤدي “الكريدي” عبر تطبيق بنكي، وكأننا في فيلم خيال علمي من إنتاج نيتفليكس. والزواج؟ الزواج اليوم مشروع يحتاج إلى دراسة جدوى، تمويل أوروبي، ومخطط استراتيجي طويل الأمد، وغالبًا إلى تدخل من البنك الدولي. المثل المغربي يقول: “زواج الليلة تدبيرو عام”، وقد أُصبح واقعًا لا مجرد حكمة شعبية، بل حتى “زواج العشر سنين” لم يعد كافيًا لتجميع المهر وشراء “النيشان”.

ثم لنأتي إلى فئة مظلومة، فئة صابرة، فئة “مساكن الله يعمرها صبر”: رجال التعليم. نعم، أصحاب “الطبشورة” و”الكراسات”، الذين يدخلون كل صباح أقسامًا مكتظة بأسماء غريبة، وخرائط معلقة، وسُحنٍ نصف نائمة، ويخرجون كل مساء إلى شوارع يملؤها الضجيج والانتظارات. الرجل المعلم، ذلك الكائن الذي كان يُنظر إليه كقدوة، أصبح اليوم يمشي راجلا، إذا امتلك سيارة فهي من نوع “كوميديا سوداء”، تصدر أصواتًا غريبة وكأنها تحتضر، يغسلها المطر ويصلحها بالدعاء.

أما من يمتلك منهم سيارة محترمة، فغالبا هو من طلاب “الكريدي”، ذاك الشبح الذي يجثم على الأجور في صمت قاتل. تجد الأستاذ جالسًا في صالونه الأنيق، أمام تلفاز بشاشة عملاقة، لكن خلف الشاشة ديون، وتحت السجادة فواتير تنتظر التسوية، وبجانب الكنبة قهوة سوداء ممزوجة بحزن أبيض. لا تسأله عن الزواج، فقد أرجأ الموضوع إلى أجل غير مسمى، ربما حين يتقاعد، أو حين يجد “عرضًا مغريًا من وكالة الأمم المتحدة”، أو حين تُلغى مصاريف الحياة ويُكتفى بـ”الحب وكأس ماء”.

ولعل أكثر المفارقات سخرية، أن بعض رجال التعليم يختارون البقاء في العزوبية طواعية، لأنهم أدركوا أن الزواج ليس مجرد خطوة طبيعية، بل مشروع فيه “المخاطرة”، وفيه ضرائب على القلب والعقل والجيب. ولأن الحياة الزوجية أصبحت مثل مباراة في نهائي دوري الأبطال: تحتاج خط وسط قوي، وهجوما فعّالا، ودفاعا حديديا… والأهم: احتياطي مالي عند كل منعطف. وفي ظل هذه الظروف، يصبح “العزوف” عن الزواج قرارًا استراتيجيًا، يُدرس في الجامعات ولا يُلام عليه أحد.

ببساطة، كان الطالب المغربي “سيد نفسه” وهو يتنقل بين المدرجات وحلمه في جيبه، واليوم صار الأستاذ نفسه يسير تحت المطر، يُراجع حساباته لا أوراق تلاميذه فقط. ومن الغريب أن تُحسب هذه المهنة ضمن الوظائف العمومية، ومع ذلك لا يشعر أصحابها أنهم ينتمون إلى نفس البلد الذي يحتفل فيه البعض بأعراس تكلف الملايين، بينما يكتفي المعلم بتهنئة عبر “الواتساب” وعلبة شاي من النوع الرديء.

أهكذا أصبح حال من يعلّم الأجيال؟ من يُرشد، يُنير، يُربّي؟ ويا لسخرية القدر، حين يُصبح أفضل من يتمتع بالحياة من هذه الفئة هم أولئك الذين قرروا البقاء خارج “سوق الزواج”، مستقلين بسياراتهم بالقسط، وشققهم التي لم تُفرش بعد، وقلوبهم التي تحاول أن لا تُغرم… إلا بنهاية الشهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.