الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

رجل التعليم المغربي: منارة يُراد لها أن تنطفئ

العربي الزيادي

قبل سنوات ليست بالبعيدة، كان حضور “الأستاذ” في الحي أو القرية يوازي حضور القاضي أو الطبيب، إن لم يفقه هيبةً. كان صوته يتردد خارج أسوار المدرسة، وكان اسمه مرادفاً للقدوة. أما اليوم، فقد أصبح مجرد موظف في خانة “الفئة الغاضبة”، يُختزل في احتجاجاته ومطالبه، وتُغفل أدواره الوجودية في صمت قاتل.

من التقدير إلى الإذلال الرمزي

لم يكن التدهور فجائيًا، بل تراكميًا. مع كل إصلاح تعليمي، كان يُقصى الأستاذ من صناعة القرار. تحوّل من شريك إلى منفذ، ومن ملهم إلى “مُراقَب”، يخضع لبطاقات تقييم، ومذكرات فجائية، وتطبيقات تدبير زمنه بدقة “الآلات”.

يقول أستاذ في سلك الثانوي بمدينة المحمدية:

“أشعر أحيانًا أنني أُعامل كمجرد رقم إداري، لا كشخص يبني أجيالاً. التلميذ اليوم يرى فيّ موظفاً مقهوراً، لا نموذجاً يُحتذى.”

أدوار ثقافية تُطمس عمداً

بعيدًا عن القسم، كثير من الأساتذة يكتبون، يؤلفون، يعزفون، يؤطرون الشباب في الجمعيات. لكن هذه الأدوار لا تجد صدى، لا في الإعلام، ولا في الوزارة، ولا حتى داخل المؤسسات التي يعملون فيها.

أين هو الأستاذ الكاتب في المعرض الدولي للكتاب؟
أين هو الأستاذ الباحث في مجالس الجامعات؟
أين هو الأستاذ الفنان في إعلام القرب؟

تمّ تهميش هذه الأبعاد، لأن إبرازها قد يُفجّر مفارقة مرعبة: أن من نعتبره “صاحب شهادة متوسطة” هو في الحقيقة رأس مال ثقافي لا يُستهان به، ما لا يناسب الخطاب السياسي الذي يُفضل الحديث عن “نقص الكفاءات”.

في القرى… الأستاذ آخر من تبقى

في العالم القروي، حيث يغيب الطبيب، والمهندس، والمحامي، يبقى الأستاذ هو واجهة الدولة، وصلة الوصل بين العالم القروي والمدينة.

إنه من يترجم الوثائق، يكتب الشكايات، يتدخل في إصلاح ذات البين، بل يساهم في توجيه الانتخابات.
لكن بدل تثمين هذا الدور، تفاجأ ساكنة القرى بترحيل أساتذتها قسرًا، في إطار ما يسمى بـ”إعادة الانتشار”، دون أي دراسة لأثر ذلك على التماسك المحلي.

استنزاف مقصود أم عجز هيكلي؟

الواقع لا يمكن اختزاله فقط في الأجور أو ظروف الاشتغال، بل في المشروع المجتمعي نفسه:
هل نريد فعلاً أن يبقى الأستاذ مربيًا وقائدًا محليًا؟
أم نريد موظفاً صامتاً، ينجز المقررات، ويغادر في صمت؟

الإجابة تبدو واضحة في السياسات المتبعة: تهميش دور الأستاذ المجتمعي والثقافي، وتكثيف الإجراءات الإدارية لإغراقه في الروتين، مما يؤدي إلى تآكل رمزيته، ومن ثم سلطته التربوية.

خاتمة: حين يسقط المعلم، يسقط المجتمع

ليس انهيار التعليم في المغرب مجرد خلل إداري، بل انهيار لرمز ثقافي واجتماعي.
إعادة الاعتبار للأستاذ لا تمر فقط من خلال ترقية أو مرسوم، بل عبر إعادته إلى مركز الفعل المجتمعي.

لا نريد لأستاذنا أن يكون موظفًا يُعيل أسرته بصعوبة، ويُستعمل في إحصائيات الإضرابات.
نريده أن يكون مُلهِمًا، فاعلاً، واثقًا من نفسه، وأن يُرى كما هو:
حارس الوعي الجماعي، لا ضحية له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.