
ضربة قلم
في ظرف زمني قصير، وجد المغاربة أنفسهم، وكأنهم يودعون قطعة من ذاكرتهم الجماعية، لا مجرد أسماء فنية عابرة.
رحلت أصوات كانت تدخل البيوت دون استئذان، وتجلس في الوجدان المغربي بهدوء الكبار… أولئك الذين لم يكونوا يحتاجون إلى الضجيج ولا إلى “البوز” ولا إلى جيوش إلكترونية حتى يصنعوا المجد.
حين يُذكر اسم نعيمة سميح، فالأمر لا يتعلق فقط بمطربة ناجحة، بل بصوت نادر يشبه الطمأنينة نفسها.
ذلك الصوت الذي لا يصرخ ولا يستعرض عضلاته الفنية، لكنه يتسلل إلى القلب بسهولة غريبة. كانت تملك قدرة عجيبة على جعل المستمع يشعر وكأن الأغنية كتبت له شخصيًا. لم تكن تغني فقط، بل كانت تحكي الإحساس المغربي بلغة راقية وهادئة.
أغانيها لم تكن تحتاج إلى مؤثرات ولا إلى رقصات ولا إلى صناعة تسويق ضخمة. يكفي أن تبدأ الجملة الأولى حتى يسود الصمت احترامًا.
الكثير من الأصوات جاءت وذهبت، لكن قليلين فقط جعلوا الأذن المغربية ترتاح. ونعيمة سميح كانت من هذه الفئة النادرة التي حين تسمعها تشعر أن الصوت “نظيف”، دافئ، وصادق… صوت لا يتعبك، ولا يستعرض نفسه عليك بالقوة.
ثم يأتي اسم عبد الهادي بلخياط، الرجل الذي لم يكن يغني فقط بصوته، بل بحضوره أيضًا.
كان يمتلك خامة صوتية استثنائية، صوتًا مزدوج الطبقات، عميقًا وقويًا في الوقت نفسه، حتى إن بعض أغانيه، كانت قادرة على إيقاظك من شرودك أو حتى من نومك العميق، ليس بسبب ارتفاعه، بل بسبب تلك الهيبة الفنية التي كانت تسكنه.
عبد الهادي بلخياط، لم يكن مجرد مطرب يؤدي كلمات، بل كان مدرسة كاملة في التحكم بالنبرة والإحساس والوقوف المحترم فوق الخشبة. كان يغني وكأنه يعرف جيدًا أن الفن ليس استعراضًا، بل مسؤولية تجاه ذوق الناس.
أما عبد الوهاب الدكالي، فذلك فصل آخر من الحكاية المغربية.
هذا الرجل لم يعش على أغنية واحدة، ولم يصنع اسمه عبر موجة عابرة. لعقود طويلة ظل يغني القصص، التفاصيل، الحب، الحنين، والانكسارات الصغيرة التي يعيشها الناس بصمت.
الدكالي كان يعرف كيف يجعل الأغنية تشبه فيلمًا قصيرًا.
حين تستمع إليه لا تسمع مجرد لحن، بل تدخل عالمًا كاملًا فيه صور وأحاسيس وحكايات. كان يختار كلماته بعناية، ويؤديها بثقة الفنان الذي لا يبحث عن التصفيق السريع، بل عن البقاء الطويل.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة في زمننا الحالي.
لقد أصبحنا نعيش عصرًا تختلط فيه الشهرة بالقيمة الفنية.
كل من ظهر على الشاشة أو ملأ الفضاء الافتراضي ضجيجًا، صار يُقدَّم كرمز فني كبير، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
هناك فرق شاسع بين فنان تصنعه الأيام والناس والوجدان الجماعي… وبين اسم تصنعه العلاقات أو المناسبات أو الإعلام الموسمي.
كثيرون حاولوا، بيأس واضح، استعارة هيبة الكبار وتقليد وقفتهم وحركاتهم فوق الخشبة، لكن الفرق بين الأصل والنسخة كان يظهر منذ الجملة الأولى.
فالكبار صنعوا مجدهم بأغانٍ تعيش في وجدان الناس لعقود، بينما اكتفى آخرون بإعادة تدوير “كولو لعام زين” والتغذي على التملق والتصفيق المناسباتي، ظنًا منهم أن الاقتراب من ظل العمالقة، يكفي لصناعة التاريخ الفني.
ليست كل أغنية تتحدث عن الوطن قادرة على ملامسة الروح؛ فهناك أعمال تُغنّى فقط، وأخرى تتحول إلى ذاكرة جماعية. الفرق بين عمل يمر مرورًا عابرًا، وعمل يتحول إلى جزء من الذاكرة الوطنية.
المشكل اليوم ليس فقط في رحيل الكبار، بل في الفراغ الذي تركوه خلفهم.
لأن الفن المغربي، رغم كل المواهب الموجودة، لم يعد ينتج بنفس الكثافة، تلك الأصوات التي تجمع المغاربة حولها دون خلاف.
أصبح كل شيء سريعًا: الأغنية، الشهرة، النسيان… بينما الكبار كانوا بطيئين في صناعة المجد، لذلك ظل مجدهم طويل العمر.
نعيمة سميح، عبد الهادي بلخياط، عبد الوهاب الدكالي… لم يكونوا مجرد فنانين.
كانوا زمنًا كاملاً من الذوق المغربي الراقي، حين كانت الأغنية تُبنى بالكلمة واللحن والإحساس، لا بالخوارزميات وعدد المشاهدات.
وربما لهذا السبب، كلما رحل واحد منهم، يشعر المغاربة، وكأن جزءًا من المغرب الجميل يغادر معهم بصمت.





https://shorturl.fm/rUeeC