
ضربة قلم
برحيل نبيل لحلو، لا تفقد الساحة الفنية المغربية مجرد اسم عابر في سجل المسرح والسينما، بل تُودّع روحًا ظلت لعقود طويلة تُشعل الخشبة بالأسئلة، وتُربك الصمت بالإبداع، وتمنح للفن معنى يتجاوز الفرجة نحو التفكير والدهشة.
فقد أسلم الفنان والمخرج والمسرحي الكبير الروح صباح اليوم الخميس بمدينة الرباط، عن عمر ناهز 81 سنة، بعد مسيرة استثنائية ظل خلالها وفيًا للفن حتى آخر الأنفاس، مؤمنًا بأن المسرح موقف، وأن السينما ذاكرة، وأن الإبداع الحقيقي لا يشيخ مهما أثقل المرض الجسد.
الراحل، الذي رأى النور بمدينة فاس سنة 1945، لم يكن مجرد مخرج أو ممثل عادي، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، بصمة فنية متمردة اختارت منذ البدايات أن تسير عكس التيار، وأن تكتب اسمها بحروف مختلفة داخل المشهد الثقافي المغربي. فمنذ عودته من فرنسا بعد تكوينه المسرحي، حمل معه رؤية خاصة للفن، رؤية جعلته يغامر، ويجرب، ويقتحم مناطق لم يكن كثيرون يجرؤون على الاقتراب منها.
في السينما، صنع الراحل أعمالًا ستظل محفورة في ذاكرة المتلقي المغربي، من “القنفودي” إلى “الحاكم العام”، ومن “إبراهيم ياش” إلى “نهيق الروح” و”كوماني”، وصولًا إلى “سنوات المنفى”، حيث ظل وفيًا لذلك النفس الفني الذي يمزج بين السخرية العميقة والفانتازيا والأسئلة الثقيلة التي تختبئ خلف الصورة والضحكة العابرة.
أما المسرح، فكان وطنه الحقيقي الذي وهبه أكثر من نصف قرن من عمره، فقدم أعمالًا جريئة ومختلفة، من “الميليارديرات” و”أوفيليا لم تمت” إلى “السلاحف” و”الامبراطور شريشماتوري” و”محاكمة سقراط”، وغيرها من الأعمال التي لم تكن تبحث عن التصفيق السهل، بل عن إيقاظ العقل وتحريك المياه الراكدة داخل المجتمع.
برحيل نبيل لحلو، ينطفئ صوت فني ظل لسنوات طويلة خارج القوالب الجاهزة، لكنه يترك خلفه إرثًا ثقافيًا وفنيًا أكبر من الغياب نفسه؛ إرثًا سيظل شاهدًا على أن بعض الفنانين لا يمرون من الحياة مرورًا عاديًا، بل يتركون أثرًا يشبه الضوء… حتى بعد الرحيل.




