رحيل الدكتور طارق سلمان العلامي… عندما يغيب العلماء، تترجل قامات لا يعوضها الزمن

لم يكن الدكتور طارق سلمان العلامي مجرد أستاذ جامعي، يقف أمام طلبته لإلقاء المحاضرات، ولا باحثًا يكتفي بنشر الدراسات والأبحاث، ولا فنانًا يعزف على آلة العود لإمتاع الأسماع، بل كان مشروعًا فكريًا وثقافيًا وإنسانيًا متكاملًا، آمن بأن المعرفة رسالة، وبأن الثقافة رافعة للتنمية، وأن خدمة الوطن تبدأ من بناء الإنسان.
وفي منتصف ليلة السبت ـ الأحد، الموافق لـ5 يوليوز 2026، أسدل الستار على رحلة رجل أفنى عمره في خدمة الجامعة والثقافة والتنمية، بعد صراع مع المرض بإحدى المصحات بمدينة الرباط، عن عمر ناهز الستين عامًا.
وشُيّع جثمان الفقيد، أمس الأحد، إلى مثواه الأخير بمقبرة باب دكالة بمدينة مراكش، في جنازة مهيبة حضرها أفراد أسرته وأقاربه وأصدقاؤه وزملاؤه وطلبته، إلى جانب عدد من الوجوه الأكاديمية والثقافية والإعلامية، الذين ودعوا رجلًا ترك بصمة راسخة في أكثر من مجال، واكتسب محبة كل من عرفه عن قرب.
وُلد الفقيد بمدينة مراكش، وينحدر من دوار أولاد ناصر بجماعة لمحرة التابعة لإقليم الرحامنة، وظل، رغم مساره الأكاديمي الدولي، وفيًا لجذوره، معتزًا بانتمائه، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمناصب التي يتقلدها، وإنما بالأثر الذي يتركه في الناس.
ومنذ شبابه، اختار طريق العلم، فحصل سنة 1989 على الإجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قبل أن ينتقل إلى جامعة السوربون بفرنسا، حيث نال دبلوم الدراسات المعمقة سنة 1991، ثم شد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليواصل تكوينه الأكاديمي ويحصل على شهادة الدكتوراه.
غير أن الدكتور طارق سلمان العلامي، لم يكن من أولئك الذين يكتفون بتكديس الشهادات، بل جعل من العلم رسالة ومن الجامعة فضاءً لصناعة الأجيال. فاشتغل أستاذًا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، وكلية علوم التربية، والمعهد العالي للصحافة بالرباط، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة الذين لم يتعلموا منه اللغة الإنجليزية وآدابها فقط، بل تعلموا أيضًا قيم الاجتهاد والانفتاح واحترام الفكر.
وامتد عطاؤه إلى خارج أسوار الجامعة، حيث أشرف على عدد من الدراسات والأبحاث والمشاريع الميدانية المرتبطة بالتنمية المجالية، بشراكات مع منظمات ومؤسسات دولية بفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، والأردن، ولبنان، واليونان، واضعًا خبرته الأكاديمية في خدمة قضايا التنمية المحلية.
وكان الراحل من المؤمنين بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما وسيلة لبناء الإنسان، لذلك ترأس سنة 2005 جمعية “أنفاس”، كما شغل عضوية المجلس الإداري لمؤسسة الرحامنة للتنمية المستدامة، وساهم في إطلاق العديد من المبادرات الثقافية والتنموية التي تركت أثرًا ملموسًا في المنطقة.
أما السينما، فقد كانت إحدى شغفه الكبير، وهو ما تُوّج سنة 2011 بتأسيس مهرجان ابن جرير للسينما، الذي تحول إلى موعد ثقافي بارز يجمع بين الفن والفكر والتنمية. وسيظل من المواقف المؤثرة إصراره على حضور الدورة العاشرة للمهرجان سنة 2024، رغم ظروفه الصحية الصعبة، في رسالة صامتة عنوانها الوفاء للمشروع الذي آمن به.
ولم يكن كثيرون يعلمون أن الدكتور طارق العلامي كان أيضًا عاشقًا للموسيقى، وعازفًا متميزًا على آلة العود، يرى في الفن لغةً راقية قادرة على تهذيب الذوق، ومد جسور التواصل بين الثقافات.
وكان شغوفًا بالأديب العالمي جبران خليل جبران، حتى إنه زار متحفه ومرقده بمدينة بشري اللبنانية، متأملًا فلسفته الإنسانية العميقة، وكأن كلمات جبران كانت تسبق لحظة الرحيل حين قال:
“قلت مرة للحياة: أود لو أسمع الموت متكلمًا… فرفعت الحياة صوتها قليلًا، وقالت لي: إنك تسمعه الآن.”
برحيل الدكتور طارق سلمان العلامي، لا تفقد الجامعة المغربية أستاذًا فقط، ولا الوسط الثقافي فاعلًا فقط، ولا الساحة الفنية موسيقيًا فقط، بل يفقد المغرب واحدًا من رجاله الذين جمعوا بين الفكر والإبداع والعمل الميداني، وتركوا بصمات مضيئة في ميادين التعليم والثقافة والتنمية.
لقد غاب الجسد، لكن الأستاذ الحقيقي لا يرحل، لأنه يبقى حاضرًا في طلابه، وفي أفكاره، وفي كتبه، وفي كل مشروع ساهم في إنجازه، وفي كل قيمة نبيلة غرسها في نفوس من عرفوه.
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يجزيه خير الجزاء عن كل علم نشره، وكل طالب علّمه، وكل مشروع أسهم في إنجازه، وكل عمل صالح تركه شاهدًا على مسيرة حياة حافلة بالعطاء.
كما نتقدم بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى زوجته السيدة أسماء العلوي، وإلى ابنته، وشقيقه رشيد العلامي، وشقيقته سلوى العلامي، وإلى أسرته الكريمة، وطلبته، وأصدقائه، وكل محبيه، سائلين الله عز وجل أن يلهمهم جميل الصبر والسلوان.
رحم الله الدكتور طارق سلمان العلامي… فقد رحل الإنسان، وبقي الأثر، وما أعظم أن يغادر المرء الدنيا، وقد ترك خلفه علمًا يُنتفع به، وأجيالًا تشهد له، وسيرةً عطرةً لا يمحوها الزمن.




