
م-ص
يا سادة، يا أصحاب الوجوه التي تخفي تحتها ذقونًا ترتجف خوفًا من فقدان الامتيازات… هذه رسالة مفتوحة إليكم، مرفوعة بمدادٍ ثقيل، لا مجاملة فيه، ولا عطر مهني. رسالة لمن اعتادوا أن يرفعوا شعارات النزاهة نهارًا، ويغمسوا أيديهم في وحل الصفقات ليلًا. لمن يتحدثون عن الإصلاح بمنطق «دابا نصلحو»، بينما هم أول من يمدّ خيوط الخراب تحت الطاولة.
هذه رسالة إلى صنّاع الضباب، إلى الذين يجلسون في مكاتب المسؤولين الضعفاء، يوزّعون الابتسامات مثل حلوى قديمة… ثم يخرجون من الباب الخلفي ليقولوا:
“آه يا وطني، ابتلانا الله بمسؤولين فاسدين!”
طبعًا… وأنتم ملائكةٌ هبطتم على السياسة والصحافة نزولًا بالباراشوت!
يا للصدفة الجميلة…
إلى الذين يأكلون الغلة… ويلعنون الملة
إلى الذين لا يعيشون من جهدهم، بل من ضعف الآخرين.
إلى أولئك الذين يزورون المكاتب، لا ليحلّوا مشاكل الناس، بل ليحلّوا مشاكل بطونهم.
إلى من يعرفون كل الطرق المختصرة نحو “الميزانية”، ولا يعرفون الطريق نحو ضميرهم.
إلى من يتقنون لعبة “التوازنات”:
يقولون للمسؤول: سيدي أنت المنقذ، أنت الحكيم، أنت لا مثيل لك.
وبساعتين فقط… يصبح المسؤول عندهم: جاهل، فاسد، لا يستحق حتى كرسيه!
لكن الكرسي – للأسف – هو مصدر أرزاقهم… وبدونه يصبحون “مواطنين عاديين”.
والمواطن العادي في هذا الوطن… مثل المتهم: بريء حتى تثبت براءته.
يا سادة… أنتم لستم ملائكة
لا صحافيون، لا سياسيون، لا جمعويون، لا حتى كتبة.
أنتم ـ ببساطة ـ ورثة مدرسة قديمة اسمها:
“الاغتراف من المائدة، ثم كسرها فوق رأس صاحبها.”
أنتم الذين تجلسون أمام مسؤول ضعيف، فتقدمون له خدمات بالمجان…
طبعًا ليس حبًا فيه، بل حبًا في الامتيازات اللي كاتخلي الكرسي يسكت الضمير، وكاتخلي المسؤول يتشبث بالمنصب أكثر من تشبث الغريق بقشة.”.
تعرفون كيف تُصمِّمون صورة المسؤول، بما يناسب جيوبكم.
كيف يُصبح الغبي عبقريًا… والمخطيء مصلحًا… والجبان رجل دولة.
وما إن يتوقف “التامن” أو يتغيّر “الكرسي”…
حتى يصبح نفس المسؤول “عدو الوطن”،
وتصبحون أنتم فجأة “حماة الحقيقة”،
وتفتحون محاضر الأخلاق، وتكتبون مقالات بطول سور الصين، تتحدثون فيها عن الشفافية والنزاهة…
وأنتم آخر من يحق له نطق هاتين الكلمتين!
أنتم تجار الطهارة المزيّفة
أنتم من يبيعون أنفسهم للمسؤولين الضعفاء،
ثم يبيعون المسؤولين الضعفاء للشارع،
ثم يبيعون الشارع لأسياد آخرين.
لا فرق عندكم بين الحق والباطل… بين الإنسانية والحقارة… بين الوطن والمصلحة.
تتكلمون عن الفساد وأنتم من يصنعه.
تصرخون ضد الظلم وأنتم من يروّجه.
تبكون على المواطن وأنتم من سرق حلمه.
تنشرون صوركم في الحفلات، كأنكم جزء من الهيبة الوطنية،
ثم في الليل تصبحون محللين، ومنظّرين، ومراقبين، وقضاة.
كلكم فجأة يتحول إلى “ضمير الأمة”.
أي أمة؟
أمة من ورق؟ أمّة من صفقات؟
أمة صنعتها أرجل تجيد الركض خلف المنافع… وألسنة تجيد القفز بين المواقف؟
المصيبة ليست فيكم… بل في من يصدقكم
لأنكم بارعون في التمثيل، في لعب دور الضحية، في تقمص شخصية “المناضل المقهور”.
تتحدثون عن المبادئ… وأنتم آخر من وقف أمام مرآة المبادئ.
تتحدثون عن الشرف… وأنتم أكثر من باعه.
تتحدثون عن الأخلاق… وأنتم أشطر من خنقها.
تتحدثون عن الوطن… وأنتم لا تعرفون منه سوى عنوان الإدارة التي تمنحكم الامتياز.
هنيئًا لكم يا سادة…
لقد نجحتم في خلق وطنٍ موازٍ،
وطن تُدارُ فيه الأمور من وراء الستار،
وطنٌ لا يحكمه الدستور، بل هاتف وابتسامة وحصة الإعلانات،
وطن يكون فيه “الحقيقة” مجرد رأي يُشترى ويُباع.
هنيئًا لكم…
لأنكم تتقنون الدور حتى النهاية،
وحتى حين ينهار كل شيء،
وحين يسقط الذي أطعَمَكم،
وحين تتغير موازين القوة…
تظهرون بابتسامة جديدة وبدلة جديدة،
وتقولون:
“نحن دائمًا مع الحق.”
مع أي حق بالضبط؟
حقّ الجيب؟ أم حقّ المصلحة؟ أم حقّ التلوّن حسب الطقس؟
وفي الختام
هذه رسالة ليست لتغييركم… لأنكم لا تتغيرون.
هذه رسالة فقط لتذكيركم بأن التاريخ لا ينسى،
وأن ذاكرة الشعوب ليست قصيرة كما تعتقدون،
وأن الذين يأكلون الغلّة ويلعنون الملّة…
يعيشون دائمًا في الهامش، مهما اعتقدوا أنهم في مركز الصورة.
الصورة الحقيقية، يا سادة،
لا يلتقطها المصوّر…
بل يلتقطها الزمن.
وزمنكم أقصر مما تتخيلون.




