رسالة من أب مكلوم… يُغلق النافذة ليحمي أبناءه من هواء مدينته

ضربة قلم
ولدي العزيز،
أكتب إليك هذه السطور من غرفتك التي تركتها كما هي منذ رحيلك، وكأنك ستعود غدًا. الغبار بدأ يرقص فوق مكتبك مع ضوء الشمس الخجول، لكن النافذة… النافذة مغلقة منذ أسابيع.
لا تظن أنني أغلقها حفاظًا على خصوصيتنا أو خوفًا من برد الشتاء، فالشتاء لم يأتِ بعد، وإنما أغلقها حتى لا تتسلل إلينا تلك الرائحة التي ملأت المدينة. رائحة لا تشبه شيئًا من ذكرياتك هنا… مزيج من عفن المياه العادمة وملح الصبر، كأن الهواء صار يتنفس مرضًا بدل الحياة.
تذكر حين كنت تقول إنك تعرف قرب الربيع من عطر أزهار الحديقة؟ الآن، يا بني، نحن نعرف قرب المساء من شدة الروائح. صارت الريح، التي كانت تبعث فينا الانتعاش، تحمل إلينا ما يجعل الصدور تضيق، والعينين تدمعان دون سبب، إلا أنها الريح… الريح الملوثة.
جيراننا بدؤوا يضعون أقمشة مبللة على النوافذ، وبعضهم صار ينام وفي الغرفة مروحة تدور بلا انقطاع، لا لتهوّي المكان، بل لتخدع الأنف. حتى أحاديثنا في المقاهي تقلصت، فالناس صاروا يفضلون البقاء في بيوتهم المغلقة، كأن الشارع لم يعد ملكًا لهم.
ابني، لا تقلق عليّ، فقد اعتدت. لكن قلقي عليك أن تعود يومًا ولا تجد من هذه المدينة إلا صورتها القديمة في ذاكرتك. أخشى أن تنسى كيف كان هواؤها نقيًا، وكيف كانت السماء هنا أوسع مما تراه في الغربة.
ابقَ هناك ما دمت تستطيع أن تتنفس بلا خوف، وإن عدت… سأفتح النافذة لك، حتى لو كانت الريح مسمومة.
أبوك.




