رشيدة داتي أمام القضاء الفرنسي بتهمة الارتشاء.. و900 ألف يورو في قلب العاصفة!

ضربة قلم
ذكرت مصادر إعلامية فرنسية أن رشيدة داتي، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وعمدة الدائرة السابعة في باريس، تستعد للمثول أمام المحكمة الجنائية، في باريس في قضية تتعلق باتهامات بـالفساد السلبي واستغلال النفوذ، على خلفية مبالغ مالية تقارب 900 ألف يورو تلقتها من شركة مرتبطة بمجموعة رونو-نيسان.
وبحسب ما أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن المحاكمة محددة بين 16 و28 شتنبر 2026، أمام الغرفة الثانية والثلاثين بالمحكمة الجنائية في باريس، إلى جانب الرئيس التنفيذي السابق لتحالف رونو-نيسان، كارلوس غصن.
وتعود القضية إلى الفترة التي كانت فيها داتي نائبة في البرلمان الأوروبي، إذ حصلت، وفق ملف الاتهام، على حوالي 900 ألف يورو بين عامي 2010 و2012 من شركة Renault-Nissan BV، بموجب اتفاقية أتعاب، وُقعت سنة 2009 بينها وبين كارلوس غصن.
المسألة التي أثارت اهتمام المحققين، لا تتعلق فقط بحجم المبلغ، وإنما بطبيعة الخدمات التي قدمتها داتي مقابل تلك الأتعاب، ومدى واقعيتها وصلتها بنشاطها السياسي والبرلماني آنذاك. ووفق ما نقلته «لوموند» عن قرار الإحالة، فإن قضاة التحقيق لم يتمكنوا من تحديد سوى عدد محدود من الأدلة، التي تثبت وجود وطبيعة الخدمات، التي قالت داتي، إنها قدمتها بموجب الاتفاقية.
والأكثر حساسية في الملف، أن القضاء بحث أيضاً في طبيعة العلاقة بين داتي وكارلوس غصن، وفي ما إذا كان الأخير، قد استعان بخدماتها بالنظر إلى شبكة علاقاتها السياسية، خصوصاً قربها السابق من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وقد تناول قضاة التحقيق، ضمن قرار الإحالة، مسألة ما وصفوه بـ«القرب السياسي» لداتي من السلطة القائمة في الوقت الذي أبرمت فيه الاتفاقية مع غصن سنة 2009.
وتنفي رشيدة داتي ارتكاب أي مخالفة، وتؤكد أن الأموال كانت مقابل خدمات قانونية واستشارية حقيقية. كما خاض دفاعها سلسلة من الطعون لمحاولة منع إحالتها إلى المحاكمة، غير أن محكمة الاستئناف في باريس رفضت أحد أهم هذه الطعون في أبريل 2026، ما أبقى المحاكمة قائمة.
ولم تقتصر التطورات على القضية القضائية وحدها. فقد كشفت «لوموند» في بداية شتنبر الجاري، أن داتي عادت إلى سلك القضاء الفرنسي بعد إنهاء وضعية الإلحاق أو التفرغ التي كانت عليها منذ سنوات، وأن وزارة العدل، اقترحت عليها منصب نائبة أولى للمدعي العام بالإدارة المركزية، وذلك قبل أيام فقط، من بدء محاكمتها في قضية رونو. وأوضحت الوزارة أن عودة القاضي من وضعية التفرغ حق قانوني، بينما يبقى اقتراح المنصب، بعد العودة من اختصاص الوزارة.
وتكتسي القضية أهمية إضافية، بسبب المسار السياسي اللافت لرشيدة داتي، التي كانت وزيرة للعدل في عهد نيكولا ساركوزي، ثم أصبحت عضواً في البرلمان الأوروبي، قبل أن تتولى وزارة الثقافة. كما أن القضية، فتحت نقاشاً أوسع في فرنسا حول العلاقة بين المسؤولين السياسيين والشركات الكبرى، وحول الحدود الفاصلة بين الاستشارة القانونية المشروعة والضغط السياسي واستغلال النفوذ.
كما أن قضية رونو ليست المعطى الوحيد الذي أثار تساؤلات إعلامية، حول مداخيل داتي وعلاقاتها بالشركات. فقد نشرت مجلة «نوفيل أوبسرفاتور» تحقيقات حول حصولها، خلال فترة عضويتها في البرلمان الأوروبي، على ما يقارب 300 ألف يورو من GDF Suez، التي أصبحت لاحقاً Engie، في الوقت الذي كانت قد اتخذت مواقف مرتبطة بقطاع الغاز. وهذه القضية منفصلة عن ملف رونو ولا ينبغي الخلط بينهما.
ومع ذلك، تبقى نقطة أساسية، لا ينبغي تجاوزها: المثول أمام المحكمة لا يعني الإدانة. رشيدة داتي ستخضع للمحاكمة للرد على الاتهامات الموجهة إليها، والقضاء وحده هو المخول بالحسم في مسؤوليتها الجنائية.
وهكذا، فإن مبلغ الـ900 ألف يورو أصبح اليوم، في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية، التي تواجه شخصية سياسية فرنسية بارزة، ليس فقط بسبب قيمته المالية، وإنما بسبب السؤال الأكبر الذي تطرحه القضية: ما طبيعة الخدمات التي بُنيت عليها هذه الأتعاب، وهل كانت منفصلة فعلاً عن موقع صاحبتها السياسي وعلاقاتها داخل دوائر السلطة؟
وهو سؤال لن تحسمه العناوين الصحفية، وإنما ستظل الإجابة النهائية عنه، بيد القضاء الفرنسي




