ضربة قلم
حيّ رياض السلام بالمحمدية ليس حياً صغيراً في الهامش، ولا تجمعاً سكنياً عابراً يمكن للمجلس الجماعي، أن يتعامل معه بمنطق “اصبروا حتى إشعار آخر”. إنه حي كبير، كثيف السكان، نابض بالحياة، وتعيش فيه آلاف الأسر التي تؤدي الضرائب وتتحمل أعباء المدينة مثل غيرها. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحي، محكوم عليه، بأن يظل خارج خريطة الأولويات، كأنه جزيرة معزولة في أطراف الخيال الإداري، لا تصلها إلا وعود انتخابية موسمية سرعان ما تتبخر بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
المشكل هنا ليس تفصيلاً تقنياً بسيطاً، بل صورة مكثفة، لما يمكن تسميته الإهمال الحضري المزمن. فأزقة وجنبات طرقات حي رياض السلام، ما تزال في حالة تثير الدهشة، بل السخرية أحياناً، حين يقارنها المرء بما ينبغي أن تكون عليه بنية تحتية في مدينة مثل المحمدية. جنبات طرقات غير مبلطة، حفر متناثرة، مساحات ترابية، تتحول مع أول قطرات مطر إلى برك موحلة، ومع أول هبة ريح إلى غبار، يقتحم البيوت والنوافذ. المشهد يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه محرج:
هل نحن فعلاً، في حي حضري داخل مدينة صناعية كبيرة، أم في منطقة منسية خارج الخريطة؟
والمفارقة التي تزيد الصورة غرابة، أن عدداً كبيراً من سكان هذا الحي، هم أنفسهم من منحوا ثقتهم، لعدد من أعضاء المجلس الجماعي الحالي. أي أن القاعدة الانتخابية موجودة هنا، والناخبون هنا، والضرائب هنا، لكن الخدمات… في مكان آخر.
رئيس مشغول… بأشياء أخرى
لكن أكثر ما يثير الاستغراب، وربما السخط لدى جزء من الساكنة، هو الانطباع السائد بأن رئيس المجلس الجماعي يبدو منشغلاً بأمور أخرى بعيدة عن التفاصيل اليومية لمعاناة الأحياء.
فالرجل، الذي وجد نفسه على رأس المجلس، في ظرف سياسي، وصفه كثيرون بأنه “جاء في غفلة من الزمن” نتيجة طرق لم تعد مفاجئة، بدا وكأنه انشغل أكثر بتدبير مجال بعيد عن الملفات الحقيقية التي تؤرق المواطنين.
ففي الوقت الذي تنتظر فيه أحياء مثل رياض السلام حلولاً بسيطة لا تحتاج إلى خطط خارقة ولا إلى ميزانيات ضخمة – تبليط جنبات الطرقات، إصلاح الأرصفة المتآكلة، وضبط التشوير الطرقي – يبدو أن جزءاً من طاقة المجلس الجماعي يُستنزف في قضايا بعيدة كل البعد عن أولويات المدينة، حتى ليخيّل للبعض أن الاهتمام بات موجهاً نحو تسيير شؤون فريق الوداد البيضاوي، وهو فريق له جمهوره، لكنه في النهاية لا يمثل المحمدية ولا ينتمي إليها جغرافياً.
فلا أحد يعترض على الرياضة، ولا على عشق كرة القدم، فهذه لعبة توحد المغاربة، وتمنحهم لحظات فرح جماعي. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تختلط الأولويات، ويصبح الرئيس المحلي منشغلاً بملفات، لا علاقة مباشرة لها، بمشاكل الأزقة والطرق والأحياء التي انتخبته الساكنة من أجلها.
سكان رياض السلام، مثل غيرهم من سكان الأحياء المهمشة، لا ينتظرون تتويجاً كروياً، ولا صفقة انتقال لاعب. ما ينتظرونه أبسط بكثير: طريقاً محترمة، لا تتحول إلى طين مع أول مطر، رصيفاً صالحاً للمشي، وتشويراً طرقياً واضحاً يحمي المارة والسائقين.
وهكذا يجد سكان الحي أنفسهم أمام مشهد مألوف في كثير من المدن:
سياسة محلية نشيطة… لكن خارج المدينة.
وواقع حضري متعثر… داخل الشوارع.
فالخطابات قد تكون كبيرة، والاجتماعات كثيرة، لكن الحقيقة، التي يراها المواطن بعينه، كل يوم أبسط من ذلك: أحياء تنتظر، وطرقات ناقصة، ومدينة تبدو أحياناً، وكأنها مؤجلة إلى إشعار آخر
لكن حين تغيب الأساسيات، يبدأ الشعور بالغبن في التسلل إلى النفوس.
ويتحول السؤال من “متى سيتم الإصلاح؟” إلى سؤال أكثر قسوة:
هل نحن فعلاً ضمن اهتمامات المجلس الجماعي؟
مدينة بذاكرة طويلة
ما ينبغي أن يتذكره كل منتخب محلي، هو أن المدن لها ذاكرة أطول، بكثير من الدورات الانتخابية.
الوعود تُسجل، والتأخر يُلاحظ، والإهمال يُحفظ في ذاكرة السكان، حتى لو مرّ الوقت.
والمحمدية، رغم هدوئها النسبي، مقارنة ببعض المدن الكبرى، ليست مدينة بلا رأي.
سكانها يتابعون، يقارنون، ويتساءلون:
لماذا تتحسن بعض الأحياء بسرعة، بينما تظل أحياء أخرى عالقة في الانتظار؟
سؤال بسيط… لكنه ثقيل
في النهاية، يمكن تلخيص كل هذا المشهد في سؤال بسيط يطرحه، سكان رياض السلام كل يوم وهم يسيرون في طرقاتهم غير المهيأة:
إذا كان هذا الحي الكبير، الذي يسكنه آلاف المواطنين، ويشكل قاعدة انتخابية مهمة، لا يحظى بأبسط مظاهر العناية الحضرية…
فأي أحياء إذن تقع فعلاً ضمن أولويات مجلس المحمدية؟
وإلى أن يجد هذا السؤال جواباً عملياً على الأرض، سيبقى الانطباع السائد لدى كثير، من سكان الحي أن مجلسهم الجماعي، بكل ما يملكه من صلاحيات وميزانيات، ما يزال يتعامل مع رياض السلام وكأنه تفصيل صغير في هامش مدينة… لا أحد مستعجل على تذكّره.