
ضربة قلم
في مشهد غير مسبوق داخل أسوار جامعة ابن زهر بأكادير، تحولت قاعات الدرس إلى مسرح لأحداث قضائية مثيرة، بعدما أصدرت المحكمة الابتدائية بالمدينة حكمين متتاليين هزا الوسط الجامعي، وأعادا إلى الواجهة سؤال النزاهة البيداغوجية وحكامة التسيير داخل مؤسسات التعليم العالي.
في القضية الأولى، نطقت المحكمة بحكم يقضي بإلغاء نتائج الامتحانات النهائية للسنة الثانية بالأقسام التحضيرية للمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بأكادير، برسم الموسم الجامعي 2024-2025، بعد الطعن الذي تقدم به عدد من الطلبة الذين اعتبروا أنفسهم ضحايا ما سموه “الترسيب الجماعي”. لم يتوقف الحكم عند حد الإلغاء فحسب، بل شمل غرامة تهديدية ثقيلة قدرها 30 ألف درهم عن كل ساعة تأخير في التنفيذ، تحتسب بعد مرور أسبوع من التوصل بالحكم، مع النفاذ المعجل ضد مدير المؤسسة وهيئة الأساتذة المعنيين.
تقديرات قانونية تحدثت عن رقم فلكي يمكن أن يتجاوز 72 مليون سنتيم يوميا إذا تأخرت الإدارة في التنفيذ، في سابقة غير معهودة في تاريخ الجامعة المغربية، لتصبح القضية مثالا دراميا عن كيف يمكن للبيروقراطية أن تتورط في امتحان لا يقل قسوة عن امتحانات الطلبة أنفسهم.
القضية جاءت تتويجا لأشهر من الاحتجاجات داخل أسوار المدرسة، حيث اعتبر الطلبة أن ما جرى يمسّ مبدأ تكافؤ الفرص ويضرب مصداقية التكوين الهندسي العمومي. النتائج وُصفت بـ“الصادمة”: ترسيب أكثر من 120 طالبا دفعة واحدة، تأخر في الإعلان لأكثر من شهر، وغموض في معايير التصحيح والمداولات. وما بين الإدارة التي تتحدث عن “صرامة بيداغوجية” والطلبة الذين يرون فيها “حكرة أكاديمية”، قرر القضاء أن يضع النقاط على الحروف، آمرا بإعادة المداولات وفق معايير عادلة وشفافة.
الحكم لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة صريحة بأن الجامعة لم تعد فضاءً مغلقا، وأن العدالة يمكنها أن تتدخل حين يفقد الميزان الأكاديمي توازنه. فالنزاهة العلمية ليست شعارا يعلّق على جدران الكليات، بل التزام يترتب عنه مسؤولية قانونية حقيقية.
وفي قضية موازية بنفس الجامعة، وتحديدا بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول، أصدرت المحكمة ذاتها حكما آخر لا يقل رمزية، يقضي بإلزام أستاذ جامعي بتسليم أوراق امتحان وحدة “الاستراتيجية الرقمية وتدبير الابتكار في الرياضة” إلى عمادة الكلية، تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 10 آلاف درهم عن كل يوم تأخير، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل.
تفاصيل الملف تكشف عن فصل آخر من فصول التوتر بين الإدارة وهيئة التدريس، بعد أن أثارت نتائج الوحدة المذكورة استياء عارما، إذ حصل أكثر من 120 طالبا على معدلات قريبة من الصفر، باستثناء طالبة واحدة فقط نالت 14 على 20، ما جعل الطلبة يطالبون بالاطلاع على أوراقهم الامتحانية وبتوضيح منهجية التصحيح المعتمدة.
القضية سرعان ما تجاوزت جدران الكلية لتتحول إلى نقاش وطني حول شفافية التقييم الجامعي وحدود السلطة البيداغوجية للأستاذ، في وقت يرى فيه كثيرون أن الجامعات المغربية تحتاج إلى ثورة في منظومتها الإدارية والتربوية أكثر من حاجتها إلى قرارات ترقيعية.
بهذين الحكمين، دخل القضاء إلى منطقة طالما اعتبرت “محرمة” داخل الجامعة، ليؤكد أن “الاستقلالية الأكاديمية” لا تعني الإفلات من المحاسبة، وأن كرامة الطالب لا تقل قيمة عن هيبة الأستاذ.
وهكذا، بينما تستعد جامعة ابن زهر لافتتاح موسم جامعي جديد، يجد مسؤولوها أنفسهم أمام درس عملي في العدالة، عنوانه: لا أحد فوق القانون، حتى ولو كان يمتحن الآخرين.
هل ستكون هذه بداية إصلاح حقيقي داخل الجامعات المغربية؟ أم مجرد زوبعة ستُطوى مع أوراق الامتحانات القديمة؟
الجواب سيحدده سلوك الإدارة والهيئة البيداغوجية في الأيام المقبلة، حين يُختبر الجميع، هذه المرة، أمام امتحان النزاهة.




