زلزال داخل ملف “إسكوبار الصحراء”: دفاع إسماعيل.م يفجّر قنبلة قانونية… “أين الجريمة أصلاً؟!”

ضربة قلم
لم تعد جلسات محاكمة المتهم (إسماعيل.م) في ما بات يُعرف إعلامياً بملف “إسكوبار الصحراء”، مجرد سرد رتيب للوقائع، بل تحوّلت إلى مواجهة قانونية محتدمة، كشفت عن ثغرات عميقة في بنية الملف، بعدما قلب دفاعه، محمد كروط، الطاولة بمرافعة، أعادت طرح الأسئلة من أساسها: ماذا نُتابع بالضبط؟ وعلى أي أساس قانوني؟
في قلب هذه الزوبعة القضائية، التي تضم أسماء ثقيلة من قبيل القياديين السابقين بحزب الأصالة والمعاصرة، سعيد الناصري وعبدالنبي بعيوي، لم يكتفِ الدفاع بمقاربة تقليدية، بل اختار الغوص في التفاصيل الدقيقة التي تُربك التكييف القانوني نفسه، معتبراً أن ما ورد في قرار الإحالة، يفتقر إلى الصرامة المطلوبة في توصيف الأفعال.
فبدل عبارات قانونية واضحة من قبيل “التصدير” أو “محاولة التهريب” أو حتى “الاتفاق قصد الحيازة”، يكتفي القرار، بحسب الدفاع، بصياغات فضفاضة، تحوم حول فكرة الاتجار بالمخدرات دون أن تُمسك بجوهر الفعل الجرمي بشكل دقيق. هذا الغموض، في نظره، لا يُعد مجرد خلل شكلي، بل يمس صميم المتابعة الجنائية، خاصة عندما يتعارض منطوق الإحالة مع تعليلاته، في صورة توحي بغياب الانسجام بين الوقائع والوصف القانوني.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى نقاش أكثر حساسية يتعلق بالتمييز بين الفصول القانونية المؤطرة للمتابعة، حيث شدد الدفاع على أن الحديث عن “المشاركة” يفرض بالضرورة تحديد الفعل الأصلي بشكل دقيق، وهو ما اعتبره غائباً في هذا الملف، مما يفتح الباب، أمام تأويلات متعددة، قد تُضعف الأساس القانوني للمتابعة.
الأكثر إثارة في هذه المرافعة هو طرح إشكالية “اكتمال الجريمة”، إذ تساءل الدفاع بحدة: كيف يمكن متابعة المتهم على أساس جريمة تامة، في حين أن الوقائع نفسها، كما وردت في القرار، لا تتجاوز في أحسن الأحوال مستوى المحاولة أو الأفعال غير المكتملة؟ سؤال يضرب في العمق منطق الاتهام، ويعيد ترتيب الأوراق داخل قاعة المحكمة.
كما وجّه الدفاع سهام نقده إلى مسألة توزيع الأدوار بين المتهمين، معتبراً أن غياب تحديد دقيق لمسؤولي، كل واحد منهم – بين فاعل أصلي أو شريك أو مساهم – يجعل المتابعة أقرب إلى لوحة ضبابية، يصعب قراءتها قانونياً، خاصة وأن الوقائع تمتد على سنوات طويلة، دون تأطير زمني واضح أو ربط محكم بين الأفعال وأصحابها.
ولعل النقطة الأكثر حساسية التي فجّرها الدفاع، تتعلق بالاعتماد الكبير على تصريحات منسوبة، لما يُعرف بـ“المالي”، تعود إلى فترة ما بين 2006 و2013، دون أن تُسند، بحسب قوله، بوقائع مادية دقيقة أو أحداث محددة. وهو ما يطرح، من زاوية قانونية، إشكالات جدية مرتبطة بالتقادم، بل وحتى بمدى كفاية هذه المعطيات، لتأسيس متابعة جنائية متماسكة.
وفي خضم هذا السجال، ذكّر الدفاع بأن المحكمة، وإن كانت تملك صلاحية إعادة تكييف الوقائع، فإنها تظل محكومة بما هو مدوّن في قرار الإحالة، لا بما هو مفترض أو غير منصوص عليه، مشدداً على أن الدعوى العمومية، لا يمكن أن تُبنى على العموميات أو الانطباعات، بل على وقائع دقيقة ومحددة بلا لبس.
واختُتمت المرافعة بسؤال حاد، يكاد يلخّص كل هذا الجدل: ما هي الجرائم الحقيقية التي نناقشها اليوم؟ هل نحن أمام اتفاقات؟ أم مجرد محاولات؟ أم أفعال مكتملة الأركان؟ سؤال، كما وصفه الدفاع، ليس تفصيلاً عابراً، بل هو جوهر المعركة القانونية الدائرة داخل هذا الملف الشائك.




