
ضربة قلم
لم يكن جمهور أولمبيك آسفي، مساء الأحد الأخير، يتابع فقط مباراة فريقه أمام النادي المكناسي، برسم الدورة الثامنة والعشرين من البطولة الوطنية الاحترافية، بل بدا وكأنه، يوجه رسالة سياسية ورياضية في الآن نفسه. ففي مدرجات ملعب المسيرة الخضراء، رفعت جماهير مسفيوية، لافتة حملت عبارة قوية ومباشرة: “محمد الحيداوي… أفسد رئيس، ارحل والمحاسبة”.
قد يختلف البعض حول صياغة الشعار أو قسوته، لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله، هو أن هذه اللافتة لم تأت من فراغ. فهي تعكس، على ما يبدو، حالة من الاحتقان والاستياء وسط جزء من الجمهور المسفيوي، الذي يرى أن فريقه، الذي كان على الدوام أحد الأندية العريقة في البطولة الوطنية، يعيش وضعية لا ترقى إلى طموحات المدينة وجماهيرها.
كرة القدم، في نهاية المطاف، ليست مجرد تسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر. إنها مشاعر وانتماء وهوية مدينة بأكملها. وعندما يرفع الجمهور لافتة بهذا الحجم وبهذه الحدة، فالأمر لا يتعلق بخسارة مباراة أو تعادل عابر، بل بتراكمات من الإحباط وخيبة الأمل.
واللافت في الأمر أن محمد الحيداوي ليس مجرد رئيس لناد رياضي، بل هو أيضاً شخصية سياسية معروفة، ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار ويشغل صفة برلماني عن دائرة آسفي. وهو ما يمنح هذه الرسالة الجماهيرية، بعداً يتجاوز حدود الرياضة، لأن المواطن في نهاية المطاف، لا يفصل بين المسؤول الرياضي والمسؤول السياسي، عندما يتعلق الأمر بالتدبير والنتائج والمحاسبة.
وقد اعتادت الجماهير المغربية، في السنوات الأخيرة، أن تعبر عن مواقفها بصراحة متزايدة داخل الملاعب. فالمدرجات أصبحت فضاءً للتعبير عن الرأي، ومنبراً لرفع رسائل تتعلق بالشأن الرياضي، وأحياناً بالشأن العام أيضاً. ولم يعد الجمهور يكتفي بالتصفيق والتشجيع، بل بات يطالب بالتوضيحات، ويعبر عن رفضه لبعض طرق التسيير التي يعتبرها سبباً في تراجع أنديته.
مدينة آسفي، التي أنجبت أسماء كروية كبيرة، وارتبط اسمها بفريق أولمبيك آسفي منذ عقود، لا تريد أن ترى ناديها يدور في حلقة من الأزمات. لذلك، فإن هذه اللافتة، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا حولها، ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار ورسالة تستحق التوقف عندها.
فالجماهير لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر المعجزات. إنها تطالب فقط بما أصبح شعاراً يردده المغاربة في مختلف المجالات: الوضوح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة تشرح للناس أين نجح المسؤول وأين أخفق.
وقد يكون من حق أي رئيس أو مسؤول أن يدافع عن حصيلته ويشرح وجهة نظره، لكن من حق الجماهير أيضاً، أن تنتقد وأن ترفع صوتها، عندما تشعر بأن ناديها يسير في اتجاه لا يرضي طموحاتها.
وفي النهاية، تبقى الصورة التي التقطها أحد المتابعين خلال المباراة، أكثر من مجرد صورة لافتة في المدرجات؛ إنها لقطة تختزل مزاج شريحة من الجمهور المسفيوي، وتؤكد مرة أخرى أن زمن الصمت في الملاعب قد ولى، وأن الجمهور المغربي أصبح فاعلاً حقيقياً في المشهد الرياضي، يصفق حين يرى ما يستحق التصفيق، وينتقد حين يشعر، بأن فريقه ومدينته يستحقان الأفضل.




