زلزال في ملف “إسكوبار الصحراء”: 40 طنًا على الورق… وأدلة تبحث عن توقيع!

ضربة قلم
في قاعة الجلسات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، حيث تختلط همسات المحامين، بصوت المكيف الذي يبدو أحيانًا أكثر اقتناعًا من بعض الحاضرين، تحوّلت جلسة ملف علال حجي وأحمد حجي، في القضية التي أُطلق عليها إعلاميًا اسم “إسكوبار الصحراء”، إلى ماراطون قانوني طويل… بلا منشطات طبعًا.
هيئة الدفاع دخلت القاعة، وكأنها تحمل حقيبة إسعافات أولية، لا للمتهمين، بل للنصوص القانونية نفسها. وقالت باختصار مفيد: “المحاكمة الجنائية ليست مسابقة في جمع القصص، بل لعبة أدلة… ومن دون أدلة مشروعة، لا هدف يُحتسب.”
فالقاضي، حسب الدفاع، يُفترض أن يبني اقتناعه، على وسائل إثبات قانونية، لا على روايات من نوع “قيل وقال”، مهما كانت مثيرة.
تصريح… أم شهادة؟
الدفاع توقف عند نقطة اعتبرها حجر الزاوية: الملف، في جزء معتبر منه، قائم على تصريحات فردية. والتصريح – كما ذكّر المحامون – ليس شهادة، وصاحبه لا يؤدي اليمين، ولا يُعامَل، كأنه نزل من منصة “الشاهد الملكي”.
بمعنى آخر: الكلام شيء، والدليل القضائي شيء آخر. وبين الاثنين، مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بالمقتضيات القانونية.
محاضر بلا توقيع… وأسئلة بلا أجوبة
ثم جاء فصل “المحاضر غير الموقعة”. بعض الوثائق المؤرخة سنة 2023، لا تحمل توقيع المتهمين. وهنا طرح الدفاع السؤال الذي يتيم في القاعة:
هل رفض التوقيع ،لأن ما كُتب لا يُشبه ما قيل؟ أم لأن المسطرة نفسها تعرّضت لوعكة صحية؟
ففي القانون، التفاصيل الصغيرة، قد تُسقط ملفات كبيرة.
قضيتان في ملف واحد… كوكتيل قانوني
الأطرف – إن جاز استعمال كلمة “الأطرف” في ملف ثقيل – أن القضية تضم مسارين:
الأول يعود إلى أكتوبر 2023، ويتعلق بحجز كمية ضخمة من المخدرات، قيل إنها تناهز 40 طنًا.
والثاني فُتح في دجنبر من السنة نفسها، ويتعلق بشخص آخر دون حجز أي مخدرات.
الدفاع اعتبر أن الخلط بين المسارين صنع “سلطة قانونية” بطعم الالتباس، حيث تختلط الوقائع، كما تختلط الأوراق في درج واحد.
“المالي” وتناقض الذاكرة
ومن بين عناصر الملف، تصريحات البطل الملقب بـ“المالي”، سبق أن أُدين في قضايا تزوير وثائق. الدفاع لم يفوّت الفرصة ليذكّر القاعة بأن مصداقية الشاهد ليست تفصيلًا ثانويًا.
تاريخ دخول المغرب؟ متغيّر.
طبيعة العلاقة بالمتهمين؟ متذبذبة.
أدلة تقنية تدعم المكالمات الهاتفية المزعومة؟ غائبة في المشهد.
بل إن محضرًا يخص شخصًا ضُبطت بحوزته مخدرات، لم يأتِ على ذكر أسماء المتهمين أصلًا، وكأن الملف أُلبس لهم على مقاس لاحق.
الركن المادي… الغائب الأكبر
الدفاع شدد على أن الجريمة ليست فكرة عائمة، بل لها ركن مادي واضح.
في تهم المخدرات والارتشاء، يقول المحامون إن هذا الركن غير متوفر.
أما توقيف المتهمين، فتم – حسب روايتهم – أثناء أداء واجب العزاء، لا في ميناء ولا في مخزن سري، وهو ما اعتبروه قرينة إضافية على غياب الظروف المشبوهة.
الاعتياد… الحلقة المفقودة
وفي ختام المرافعة، أُثير عنصر “الاعتياد”، وهو عنصر أساسي في بعض جنايات المخدرات. الدفاع اعتبر أن هذا الشرط غير قائم في الملف، ما يجعل التكييف الجنائي، في أقصى تقدير، أقرب إلى جنح منه إلى جنايات ثقيلة.
وهكذا، انتهت الجلسة دون حكم، لكن بكثير من الأسئلة.
بين من يرى الملف شبكة معقدة، ومن يراه خيطًا قانونيًا مهتزًا، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء… لا للقب “إسكوبار”، ولا للضجيج خارج القاعة.




